نحن أمام مثَل من أمثلة الأدب النبوى العالى. تقوم فكرته على المقارنة بين خوف المؤمن من ذنوبه وإن قلَّتْ، واستهانة الفاجر بذنوبه وإن كَثُرت،
ثم دعوة صادقة لكل من تلبّس بالذنب أن يسارع بالدخول في باب التوبة إلى الله الذى يفرح بعودة التائب إلى رحابه.
يقوم الحديث على ثلاثة مشاهد لبيان الفكرة المشار إليها سلفًا.
المشهد الأول: يصور لنا المؤمن تتوالى على وجدانه أحداثُ الماضى المُذنب وتتساقطُ على حسِّه وفى رُوعه مقامعُ العقاب في الآخرة، فتأخذهُ رِعداتُ الخوفِ المُفزع والوجلُ من هذا الخطر الذى هو حقيقةُ لا انفلات منها. يصوره لنا برجل قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه. وتأمل معى أيها المستمع الكريم لفظة (الجبل) وما توحى به من ضخامة وصلابة وجهامة، وقسوة واستطالة، وهى معانٍ مستقرة في أذهان المخاطبين في صحراء العرب بشكل خاص ثم في كل ذهن إلى يوم القيامة بشكل عام وتخيل قعقعة الصخور المتهاوية المتدافعةِ من علٍ، وانتقاضَ الجبل فوق رأس المسكين تدكُّها مع الأرض دكَّا .. هكذا يصور لنا النبى صلى الله عليه وسلم مدى أثر الذنب في القلب المؤمن، واستشعاره خوفَ الله في شديد عقابه، لتكون الرغبةُ في التوبة من هذه الذنوب واللهفةُ عليها، كلهفة ذلك المكروب تحت الجبل إلى النجاة.
والمشهد الثانى: يصور لنا استهانة الفاجر بالذنب، وفقدانه معاتبة الضمير، لبلادة حسِّه، فقد اعتاد الإثم وارتكس في حمأة الذنب، فلا يجد حرجًا، ولا وخزًا من ضمير يوقظ فيه ما يرده إلى حميّة الإيمان ..