الصفحة 15 من 129

والنبى صلى الله عليه وسلم يصور الذنوب في غثاثتها وكراهية النفس السليمة لها، وذلك الفاجر يواقعها في غير مبالاة .. بالذباب الذى يَطنُّ فوق أنف فاسدة الذوق، ويمضى عنها ليعود إليها فلا تلتفت ولا تنتبه وغاية ما يمكن أن يفعله ذلك الفاجر أن يشير بيده ليطرد الذباب، ثم لا يلبث أن يمل .. وهذا غاية بلادة الشعور الذى لا يوجد له مثيل إلا في قطعان الخنازير وسِفلة المخلوقات.

وإنها لصورة تصنع جوًا كريهًا ومنفّرًا من مقارفة الذنوب أو مقاربتها.

ويأتى المشهد الثالث: في عبارةٍ أطول من سابقيْه، توضح فرح الله تعالى بتوبة عبده العاصى ..

إنه مشهدُ رجلٍ نزل منزلًا موحشًا، وليس معه من وسائل الحياة إلا دابته عليها طعامه وشرابه، فهى إذًا كل ما يربطه بالحياة ويهبُه الأمل في قطع هذا المكان الموحش، ثم نزل الرجل يقيل لحظاتٍ بعد أن هدَّه الرحيلُ، وعناءُ السفر، فنام نومة ثم استيقظ على الفزع الذى هز كيانه، لقد فقد راحلته، فانطلق المسكين مروَّعًا يعدو في كل اتجاه على غير هدى، بحثًا عن راحلته الضائعة، حتى كلّت قدماه، وأنهكه التعب، وبلغ به الحر والعطش مبلغًا، فجرجر أقدامه إلى المكان الذى كان ينام فيه، فنام نومة مكسورة الوجدان محترقة الأنفاس وهو في انتظار الموت، ثم تقلب ورفع رأسه فإذا راحلتُه عنده .. كم يكون فرح ذلك الرجل براحلته .. يُبين لنا النبى صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أشد فرحًا بتوبة العبد العاصى من ذلك الرجل براحلته الذى أخطأ من شدة فرحه فقال (اللهم أنت عبدى وأنا ربك) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت