هذا تمثيل لأولئك الذين أخطأوا الطريق وضلوا عن سواء السبيل،
ففهموا حريتهم فهمًا سقيمًا، وساروا في هذه الحياة على غير هدى،
بل حَسب أهوائهم وشهواتهم .. وتمثيلُ آخرُ لأولئك الذين يَرون المنكر ويسكتون عليه، فلا تتمعر وجوههم غضبًا لله، ولا تتحرك نفوسهم لتغيير ذلك المنكر، بل يغمضون أعينهم عما يدور حولهم من ارتكاب المخالفات والموبقات، وكأن الأمر لا يعنيهم في كثير أو قليل، ويظنون في أنفسهم الصلاح والفلاح.
فالحديث إذًا تصوير للمجتمع بما فيه من أخيار وأشرار، متقين وفجار، يشبههم بركاب سفينة في بحر خضم متلاطم الأمواج، تمخر السفينة عُبابه، وقد انقسم الركاب إلى قسمين، كلٌ أخذ مكانه بعد الاستهام والاقتراع، فصار قسمٌ أعلى السفينة يتمتعون بروعة الطبيعة ونضارة الحياة، وينعمون بوسائل الرفاهية والراحة، من عذب الماء، ووثير الفراش، وخدمٍ يسعون في تلبية رغباتهم وحاجاتهم.
والقسم الآخر صار في أسفل السفينة، لا ينعمون بما نَعِمَ به مَنْ فوقهم حتى الماءُ كانوا يجلبونه من أعلى. وهنا خطرت لهم فكرة أن يثقبوا أسفل السفينة ليستخرجوا الماء من البحر، فلا يُتعبون أنفسهم في حمل الماء، ولا يزعجون جيرانهم، فبدأوا بتنفيذ ما أرادوا وقرروا ثقب السفينة، فاستخرجوا معاولهم، وراحوا يضربون في السفينة. وسمع الذين هم في الطبقة العليا أصوات المعاول فهُرعوا نحو إخوانهم ووقفوا في وجوههم يريدون منعهم، ولكن هؤلاء استاؤا من تدخل إخوانهم وقالوا: هذا مكاننا ونصيبنا نصنع فيه ما نشاء،