؟ فقال: الراكب جبار من الجبارة، وهذه الأمة يقولون سَرَقَتْ ـ زَنَتْ ولم تفعل.
ولننظر إلى الرضيع وأمه لنرى ما قصتها: أمٌّ فقيرة بائسة تقف على قارعة الطريق أمام الغادين والرائحين، تطعم وليدها من ثديها، وبينما هى على تلك الحال، إذ تجد نفسها فجأة أمام راكب ذى شارة، إنها أمام رجل عليه مظاهر العز والقوة والغنى، فاستشرفت نفسها أن يكون ولدها في مستقبله كهذا الرجل فدعت أن يكون ابنها مثله ... لكن الرضيع يعترض على هذا الدعاء ويدعو ألا يكون مثل هذا الرجل.
ثم ترى الأم صورة أخرى تناقض تمامًا الصورة الأولى فهى ترى امرأة سوداء تُضْرَب لاتهامها بالسرقة والزنا .. فتسارع المرأة بالدعاء ألا يجعل اللهُ ولدها مثل هذه الجارية .. فيدعو الرضيع أن يكون مثلها ... وهنا يتراجعان الكلام معًا (الأمُ والرضيع) .. فالأم حيرى من أمر ابنها .. تراجعه الحديث، وقد اطمأنت إلى نطقه غير المألوف، علها تجد عنده ما يريحها من هذه الحيرة المستبدة التى نشأت من التناقض بين دعائها له، ودعائه لنفسه، وإذا به يتجه إليها، يكشف لها ولنا السر في تلك المفارقة، ويفسر ذلك الموقف الغامض العجيب ببيان حقيقة ذلك الراكب الذى يبدو في مظهر الخير، وتلك الجارية التى تبدو في مظهر الشر، مع أن الواقع أن كلا منهما على نقيض ما يظهر للناس من أمره، وهو كشف غيبى يجريه الله العلى القدير الفعال لما يريد على لسان هذا الرضيع.
مستمعى الكرام ..
ما يقال عن الفرد في قضيتنا هذه ـ يقال عن الأمم أيضًا فرُبَّ أُمَّةٍ صائلة، في الأرض جائلة، تملأ القلوب هيبة وفزعًا، وهى من داخلها