الصفحة 32 من 129

وفى هذه الأحاديث تحريمٌ للعقوق وتشديد على التنفير منه، وبيانُ حرمة سب الآباء والأمهات، أو تعريضهما للسب والإهانة، وأن الطبع السليم المستقيم يأبى أن يسب الرجلُ والديه أو أن يتسبب في سبهما، وهى دعوة لترك السباب والشتائم خشية أن يعود السب على والدى الشاتم.

أفلا يستدعى كل هذا أن يكون المرء بارًا بأبويه، منتهيًا عن عقوقهما.

إذًا فلنستمع إلى بيانٍ شافٍ يذكّرنا بحق الأبوين علينا، لا سيما الأم لعل الذين غلبت عليهم شقوتهم أن يرجعوا إلى رشدهم، ويحسنوا معاملة آبائهم وأمهاتهم، فالأم هى التى"أرضعتك من ثديها لبنا، وأطارت من أجلك وَسَنا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرتك على نفسها بالغذا، وصيرت حَجرها لك مهدا، وأنالتك إحسانا ورفدا، فإن أصابك مرض أو شكاية، أظهرت من الأسف حتى النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت أموالها للطبيب، ولو خيرت بين حياتك وموتها لاختارت حياتك بأعلى صوتها، هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مرارا، فدعت لك بالتوفيق سرًا وجهارا، فلما احتاجت عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك، وشبعت وهى جائعة، ورويت وهى ضائعة، وقدّمت زوجتك عليها بالإحسان وقابلت أياديها بالنسيان، وصعب عليك أمرها وهو يسير، وطال عليك عمرها وهو قصير، وهجرتها ومالها سواك نصير، يا هذا نهاك الله عن التأفيف، وعاتبك في حقها بعتاب لطيف،"

ستعاقب في دنياك بعقوق البنين، وفى أخراك بالبعد عن رب العالمين، وتُنادى بلسان التوبيخ والتهديد، ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد.

ولا أريد أن أوذى أسماعكم أحبتى في الله بصور من العقوق، غير أن أقسى صورة من صوره وأشدها إيلامًا صورة هذا العاق الذى يقتل أمه لحفنة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت