أما خواصُّ أهل العلم الراسخون فيه, فلا يشتبه عليهم, بل عندهم من العلم مايستدلون به على حِلّ ذلك أو حُرمته, فهؤلاء لايكون ذلك مشتبهًا عليهم لوضوح حكمه عندهم.
وأما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه, فهو مشتبِهٌ عليه, فهذا الذى اشتبه عليه إن اتقى ما اشتَبه عليه حِلُّه وحُرْمُه واجتنَبه، فقد استبرأ لدينه وعرضه، أى طلب لهما البراءة مما يشينُهما.
وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى كما ورد في الأثر (لا يبلغ العبدُ أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس) .
ثم ضرب النبى صلى الله عليه وسلم مثلًا لمحارم الله بالحمى الذى يحميه الملِكُ من الأرض، ويمنعُ الناس من الدخول فيه، فمن تباعد عنه فقد توقَّى سُخط الملِك وعقوبته ومَن رعى بقرب الحمى فقد تعرَّض لمساخط الملك وعقوبته لأنه ربما دعَته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى.
وفى هذا دليلٌ أخى المستمع على سدِّ الذرائع والوسائل إلى المحرمات، كما تحرُم الخلوة بالأجنبية لئلا يقعا في الزنا وكما يحرم شربُ قليلِ ما يُسكِرُ كثيرُه.
= ثم ذكر النبى صلى الله عليه وسلم كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها، وأن ذلك كله بحسَب صلاح القلب وفساده.
= فإذا صلح القلبُ صلحتْ إرادته، وصلحت جميعُ الجوارح، فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله، واجتناب سَخَطِه، فقنِعت بالحلال عن الحرام.