والمغتاب ـ أي الذي يقع في الغيبة ـ ليس وحده الذى يحمل الأوزار؛ وإنما يشاركه في ذلك جليسهُ الذي أصاخ له السمع, وتجاوب معه, ونسى هؤلاء أنهم مسئولون عن جوارحهم (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) [الإسراء 36] .
فحين تجالسُ ـ أخي المستمع ـ إنسانًا على هذه الشاكلة فأغلق أمام فمه كلَّ الأبواب المشَرعة للكلام إلا في الخير (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) ولو علم المغتاب الذي يتتبع عورات المسلمين أن الجزاء من جنس العمل, لَكَفَّ عن هذا الفعل القبيح ... فقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي برزة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
(يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه, لا تغتابوا المسلمين, ولا تتبعوا عوراتهم, فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم, تتبع الله عورته, ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته) أو قال: (وإن كان في سُترة بيته) [1] .
إن من حق المسلم على أخيه المسلم أن يحوطه بسياج من السَّتر وأن يدفع عنه عيون الغدر وألسنة الشر, أما أن يتتبع عورة أخيه وينشرها بين الناس, فلعمُر الله إنه للسَّفهُ بعينه.
أخى الحبيب ..
لقد صور القرآن الكريم الغيبة طعامًا كريهًا من لحم يَعَافُ الأسوياءُ الاقترابَ منه فقال تعالى: (ولا يغتبْ بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه مْيتا فكرهتموه) [الحجرات 12] إنها صورة بشعة منفّرة من الغيبة التى جعلها القرآن بمنزلة أكل لحم الأخ مْيتًا فإذا كان أكل لحم الإنسان مكروها بالفطرة،
(1) رواه أحمد وأبو داود وانظر صحيح الجامع 7984