وإذا كان الإسلام قد رفع منزلة العلم والعلماء فإنه في نفس الوقت يطالبهم بتأدية ضريبة العلم وهي تعليم الجاهل وبذل العلم لطالبه على أوسع نطاق ويتوعد صفوة الأمة وهم العلماء بكتمان العلم وعدم بذله لطالبيه .... يقول تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] [1] ... ولقد أصبح من المعلوم بداهة أن مكانة الأمة وعلو منزلتها تتوقف على شيوع العلم فيها وقد بلغت أمة الإسلام في عهودها الزاهرة ذروة المجد وتربعت على عرش السيادة وقادت العالم قرونًا طويلة وأنارت ببصائر علمائها ومفكريها ظلام الجهل الدامس في أوروبا وقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء ويحق لأمة الإسلام أن تفاخر العالم قاطبة وذلك لتكافل أفرادها جميعًاُ في القيام بواجب العلم وإزالة آثار الجهل وهذا التكافل العلمي في الإسلام ينبعث من عقيدة راسخة ترفض الجهل وتأباه مهما كانت صوره وأشكاله.
المبحث الثامن
التكافل الأدبي
نقصد بالتكافل الأدبي عند الاطلاق أن يشعر كل فرد تجاه إخوانه بالعطف والحب والرعاية يتألم لألمهم ويفرح لفرحهم تجسيدًا لقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [2] .
ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا باصلاح النفس وتهذيبها لترتقي إلى ذروة السمو النفسي بحيث تزكو النفس وتبتعد عن سفاف الأمور وحطام الدنيا الفاني تحقيقًا لقول الله تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا] [3] .
(1) سورة البقرة آية 159 ـ 160.
(2) رواه البخاري انظر صحيح البخاري ج 1 ص 9 ــ كتاب الأيمان.
(3) سورة الشمس آية 9/ 10.