عن الرواة، وأنهم لا يرون أن ما قيل فيهم يوقف الاحتجاج بهم، فقد يجوز لنا أن نتوقف إذا كان الأمر يتعلق بالقتل، وأي حرج في أن نقف مثل موقف مسلم من عكرمة؟!" [1] "
1 -الرد على رده الحديث لورود لفظ الزندقة به:
أ أن الألفاظ منه ما هو أصيل، ومنه ما هو معرب، وهذه الكلمة من الكلمات الفارسية التي تم تعريبها وانتقالها للعربية، وكان تعريبها مع الفتح العربي لبلاد فارس، وتحول معناها مع التعريب إلى الخروج والمروق من الدين.
ب أن ذلك ليس معناه الجزم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تكلم بالفارسية، وإنما يدل ذلك على صحة مذهب من قال بجواز الرواية بالمعنى.
ت أما قوله أن لفظ الزنديق لم يشتهر في أيام الخلافة الراشدة، فهو أمر خطأ، ولا يمكن الجزم به من أوجه، فإن اختلاط العرب بالفرس وعوامل الجوار تفرض التأثير والتأثر اللغوي، فضلا عن أن الفتح الإسلامي لفارس قد بدأ في عام 11 هـ على يد خالد بن الوليد، مما يدل على أن هذا اللفظ كان من السهل انتقاله وتداوله لدى المسلمين.
ث كذلك فإن ما يمكن الجزم به هو خلافه، وهو أن هذه اللفظة كانت موجودة في أول المعاجم العربية، فيقول الإمام الخليل (ت 170 هـ) في معجمه العين:"زندق: الزِّنديق ... زَنْدَقَةُ الزِّنديق: ألا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية" [2] ، والخليل بن أحمد الفراهيدي كان مولده عام 100 هـ ووفاته عام 170 هـ، وكونه قد قام بتدوين هذا اللفظ في هذه الفترة، ومن البديهي أن يكون هذا اللفظ مستقرا قبل تدوينه، كما أن العلم دائما مستقر قبل تدوينه.
ج أن بلاد فارس قد خرج منها النابغين في حمل العلم الشرعي، فكان منهم محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم لم الحجاج النيسابوري، وأبو داود السجستاني، وأحمد بن عيسى الترمذي، والقزويني وغيرهم، فكان من اليسير روايتهم لمثل هذه الألفاظ بما يسهل معناها لديهم، دون وجود حرج شرعي في الرواية، وهذه المسألة هي التي تكلم فيها علماء الحديث في جواز الرواية بالمعنى، ولا ريب أن تأدية الحديث بلفظه أولى، وفيما يتعبد بلفظه فهو أوجب، ولكن لا حرج في الرواية بالمعنى لأن ذلك أنه من باب التوسيع في نقل العلم، فالصحابة كانوا يروون بالمعنى، وذلك جلي في اختلاف روايتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفس المعنى، دون أن ينكر أحدهم على الآخر، وهم سلف هذه الأمة الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم، وعدم الخروج عن هديهم، وهم مجمعون على ذلك.
ح أن الحديث ورد في كتب أخرى من كتب السنن بلفظ الردة، مثال ذلك ما رواه الإمام أبو داود من
(1) - حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام (30)
(2) -العين (5/ 255)