فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قلت والذي يترجح لي والعلم عند الله تعالى هو القول بوجوب طواف القدوم لمن دخل مكة مفردًا بالحج أو قارنًا بينه وبين العمرة (24) ، وذلك لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم له مع قوله:"خذوا عني مناسككم"يستلزم الوجوب، وقد فعل ذلك الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة رضي الله عنها أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك، ثم حج عثمان رضي الله عنه فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي - الزبير بن العوام - فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان ولا تبتدئان بشيء أول من البيت تطوفان به ثلم لا تحلان (25) ، وقد رواه مسلم أيضًا بلفظ أطول من هذا (26) هذا وما استدل به أهل القول الأول من قياس غير المكي على المكي قياس مع الفارق كما هو ظاهر، إذ لا بد في القياس من موافقة المقيس للمقيس عليه في العلة والحكم كذلك في قياس الآفاقي على المكي، هذا وقد رجح القول بالوجوب ابن تيمية والشوكاني.
قال ابن تيمية رحمه الله بعد ذكره لرواية الوجوب عن أحمد: وهذه رواية قوية لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده لم يزالوا إذا قدموا مكة طافوا قبل التعريف ولم ينقل أن أحدًا منهم ترك ذلك لغير عذر، وهذا خرج منه: امتثالًا لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) (آل عمران: من الآية 97) ، وقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: من الآية 196) ، وبيانًا لما أمر الله به من حج بيته كما بين الطواف الواجب بسبعة أشواط، فيجب أن تكون أفعاله في حجة كلها واجبة إلا أن يقوم دليل على بعضها أنه ليس بواجب وقد قال صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم" (27) ، ولم يُردْ أن نأخذها عنه علمًا، بل علمًا وعملًا، كما قال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ