فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 57

قلت: وقد وجه الحنفية قولهم بلزوم رجوع من ترك طواف الوداع فيما إذا كان دون الميقات بما تقدم في قول الكاساني (129) ومفاده أن مَن دون الميقات يأت بالطواف من غير حاجة إلى الإحرام وهذا بخلاف من جاوز الميقات فقالوا بعدم لزوم الرجوع لأنه لا يمكنه أداء ذلك إلا بالتزام فعل عمرة بأركانها وواجباتها ثم بعد أدائها يطوف للوداع، وهذا فيه مشقة بالتزام الإحرام من ناحية ومشقة السفر من ناحية أخرى ولهذا اختاروا عدم الرجوع، وقد قالوا بذلك أيضًا لأن ما دون المواقيت عندهم يعتبر من حاضري المسجد الحرام فلا يجب عليه هدي التمتع بخلاف من كان خارجها، ولهذا قال الكاساني وهو يتكلم عن شروط وجوب هدي التمتع، ولنا قوله تعالى:"ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" (البقرة: من الآية 196) جعل التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام على الخصوص لأن اللام للاختصاص ثم حاضروا المسجد الحرام هم أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة، وقال مالك هم أهل مكة خاصة لأن معنى الحضور لهم، وقال الشافعي هم أهل مكة ومن بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة لأنه إذا كان كذلك كان من توابع مكة وإلا فلا (130) .

هذا وقد وجه الشافعية والحنابلة قولهم بلزوم رجوع من ترك طواف الوداع فيما إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة قصر (131) بأن من كان دون تلك المسافة فهو في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر ولذلك عدوه من حاضري المسجد الحرام (132) .

الترجيح:

قلت وما ذكره الحنفية من تحديد القريب الذي يلزم فيه الرجوع: بالمواقيت غير وجيه في نظري لاختلاف المواقيت في القرب والبعد عن مكة، حيث إن بعضها يبعد عن مكة عشر مراحل أي ما يقرب من أربعمئة كيلو متر وهو [ذو الحليفة] ميقات أهل المدينة وبعضها على مرحلتين، وتقدر بثمانية وثمانين كيلو متر، وذلك كميقات أهل نجد: قرن المنازل والمعروف الآن [بالسيل الكبير] وكميقات أهل اليمن [يلملم] (133) فما بين أدنى المواقيت وأقصاها من مكة ثمان مراحل أي ما يزيد عن ثلاثمائة كيلو متر، وبناءً على هذا فتحديد القريب بمن دون المواقيت بينها هذا الفرق الشاسع قول مرجوح، والذي أراه أن الأولى تحديد القريب بمن بينه وبين مكة من المسافة مالا تقصر إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت