فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 57

إذا عرفنا هذا فيجب أن نعلم أيضًا أن كل عبادة جاءت بها الشريعة فلها معنىً وحكمة قطعاٍ؛ لأن الشرع لا يأمر بالعبث ولا بما ليس فيه مصلحة، ومعنى العبادة وكنهها قد يفهمه المكلف، أو يفهم بعضه أو لا يفهمه، فمثلًا الحكمة من الصلاة التواضع والخضوع وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والحكمة من الصوم كسر النفس وقمع الشهوات، والحكمة من الزكاة مواساة المحتاج، والحكمة من الحج إقبال العبد على ربه أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيته تعالى، طاعةً لله وإقامةً لذكره، وهكذا في كل عبادة تعبد الله بها عباده، وما ذكرناه هو بعض الحكمة لتلك العبادات لأن المخلوق قاصر لا يدرك كنه وسر ما أمر الله به أو نهى عنه إلا ما أطلعه عليه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بسبب مما وهبه الله له من الفهم المقتبس منهما (سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة: من الآية 32) ، وما أوتيه المخلوق من العلم بجانب علم الله قليل، قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: من الآية 85) .

هذا وإذا كان سر وجودنا في هذا الكون هو لتوحيد الله وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه كان الواجب علينا أن نلتزم ما أمرنا به ونجتنب ما نهينا عنه سواء ظهرت لنا الحكمة في ذلك أو خفيت علينا لأن أوامر هذا الدين ونواهيه قد جاءت من لدن حكيم عليم لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الحكمة البالغة في أمره ونهيه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان سلفنا الصالح وفي مقدمتهم الصحابة الكرام أسرع الناس إلى امتثال أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، واجتناب النواهي، ولم يتوقف عملهم بما أمروا به، واجتنابهم .. لما نهوا عنه على ظهور الحكمة، لعلمهم أن ما جاءت به الشريعة الإسلامية من أوامر ونواهي هو عين الحكمة لأنها من عند الله العليم الحكيم، ولعلمهم أن عقولهم قاصرة عن إدراك ذلك، فقد جاء في صحيح مسلم وغيره عن معاذة، قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية (7) أنت؟ فقلت لست بحرورية ولكني أسأل قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (8) ، فعائشة رضي الله عنها أحالت ذلك إلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو وجوب قضاء الصوم دون قضاء الصلاة، وكان بإمكانها وهي العالمة الفقهية أن تجيب بالفرق بين الصوم والصلاة، وهو أن الصلاة كثيرة تتكرر في اليوم خمس مرات، فيشق قضاؤها بخلاف الصوم فإنه إنما يجب في السنة مرة واحدة، ولكنها رضي الله عنها أرجعت ذلك إلى الأمر الشرعي الذي يجب امتثاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت