وجاء في صحيح مسلم أيضًا عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنه قبل الحجر الأسود وقال إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك.
وفي رواية: أنه يقبله ويقول: إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك (9) .
فانظر رحمك الله إلى سرعة امتثال سلفنا الصالح لأوامر الله وأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليمهم لذلك سواء ظهرت لهم الحكمة أو لم تظهر فعمر رضي الله عنه قد يدل قوله السابق على عدم ظهور الحكمة له في تقبيل الحجر الأسود ولكنه فعل ذلك اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لولا ذلك لما فعل، وإنما قال رضي الله عنه وإنك لا تضر ولا تنفع لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام والذين ألفوا عبادة الأصنام وتعظيمها، ورجاء نفعها أن تقبيل الحجر ينفع بذاته لأنه لا قدرة له على جلب نفع أو دفع ضر فهو حجر مخلوق كسائر المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع، وليس معنى كلامه رضي الله عنه أنه لا نفع في تقبيله بل في ذلك امتثال لما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب ولهذا قال: ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، فمجرد امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا يحصل به الثواب والأجر من الله، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21) .
هذا ومما تقدم نعلم أن أي أمر أو نهي جاءت به الشريعة الإسلامية يجب امتثاله ولو لم تظهر لنا الحكمة منه، لأن هذه الشريعة من عند الله الحكيم العليم، وليس معنى هذا أننا ننكر التماس الحكمة للأمر أو النهي، ولكننا ننكر توقف الامتثال أو الاجتناب على ظهورها لنا. وإذا عرفنا هذه المقدمة الجليلة بين يدي ذكر الحكمة فإليك بيان ما وقفت عليه من حكمة هذه العبادة أعني عبادة الطواف.
أولًا: هناك حكمة عامة للطواف، ولكل عبادة بل ولكل أمر أو نهي وهي طاعة الله فيما أمر به سبحانه في كتابه أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بفعله لوجوب الاقتداء به، ومن ذلك الطواف بالبيت فيكون الإتيان به طاعة لله يثاب عليها العبد، وهذا ما أشرنا إليه آنفًا.
ثانيًا: الحكمة الخاصة بالطواف: من حكمة الطواف بالبيت أنه إقامة لذكر الله تعالى وهذه الحكمة قد نصت عليها السنة المطهرة فقد روى أبو داود في سننه قال:"حدثنا مسدد حدثنا عيسى ابن يونس، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها. قال: قال رسول الله"