فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 199

ج 9: نعم؛ القول بأنها ما وردت على إطلاقه غير صحيح، والقول بأنها سُنَّة غير صحيح.

ووَجْه ذلك: أنه لم يَرِد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقف عند القَبْر - أو في المَقْبَرَة - إذا حضرت الجِنازَة، ثُمَّ يَعِظ الناس، ويُذَكِّرهم - كأنه خطيب جمعة، هذا ما سَمِعْنَا به، وهو بِدْعَة، وربما يُؤَدِّي في المُسْتَقْبَل إلى شئ أعْظَم - ربما يُؤَدِّي إلى أن يتطرق المُتَكَلِّم إلى الكلام عن الرجل المَيِّت الحاضر، مثل أن يكون هذا الرجل فاسقًا مثلًا، ثُمَّ يقول: انظروا إلى هذا الرجل؛ بالأمس كان يستهزئ، بالأمس كان كذا وكذا، والآن هو في قَبْره مُرْتَهَن. أو يتكلم في شخص تاجر مثلًا، فيقول: انظروا إلى فلان، بالأمس كان في القُصُور والسَّيَّارات والخَدَم والحَشَم، وما أشبه ذلك، والآن هو في قَبْره -!

فلهذا نرى ألا يقوم الوَاعِظُ خطيبًا في المَقْبَرَة؛ لأنه ليس مِنَ السُّنَّة؛ فلم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقف إذا فرغ مِن دَفْن المَيِّت، يَقوم ويَخْطُب الناس، أبدًا، وما عَهِدْنَا هذا من السابقين، وهم أقرب إلى السُّنَّة مِنَّا، ولا عَهِدْنَاه أيضًا فيمن قَبْلَهُم مِنَ الخُلَفَاء؛ فما كان الناس في عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي - فيما نعلم - يفعلون هذا، وخَيْر الهَدْي هَدْي مَن سَلَفَ إذا وافق الحَق.

وأما المَوْعِظَة التي تُعْتَبَر كلامَ مَجْلِس: فهذه لابأس بها؛ فإنه قد ثَبَتَ في السُّنَن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، خرج أو أتَىَ إلى بقيع الغَرْقَد، وفيه نَاسٌ يدفنون مَيِّتًا لهم، لكن المَيِّت لَمَّا يُلْحَد فيما بعدُ - يعني: معناه أنهم يَحْفُرون القَبْر -، فَجَلَسَ وجَلَسَ حَولَه أصْحَابُه، وجَعَلَ يُحَدِّثُهم بِحَال الإنسانِ عِندَ مَوْتِه، وحال الإنسانِ بَعْدَ دَفْنِه، حَديثًا هادئًا ليس على سبيل الخُطْبَة.

وكذلك ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره أنه قال - عليه الصلاة والسلام: «ما منكم من أحد إلا وقد كُتِبَ مقعده مِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت