المبحث الأول
آراء الفقهاء في أركان الحوالة
لم تتفق كلمة الفقهاء على أركان الحوالة, ويمكن إجمالها في الآتي:
الرأي الأول:
يرى الحنفية: أن ركني الحوالة هو: «الإيجاب» , و «القبول» فقط، و «الإيجاب» من المحيل, و «القبول» من المحال عليه والمحال، إذًا لابد لوجودها من الثلاثة المحيل, والمحال عليه, والمحال, وهذا هو ما يراه الحنابلة، وإن كانوا قد اختلفوا في «الرضا» من هؤلاء الثلاثة, وهذا ما سوف نتناوله في مبحث مستقل ـ إن شاء الله ـ.
والإيجاب: أن يقول المحيل للطالب ـ المحال ـ: أحلتك على فلان, والقبول: من المحال, والمحال عليه أن يقول كل واحد منهما: قبلت أو رضيت، أو نحو ذلك مما يدل على الرضا والقبول [1] .
ويشترط في «المحيل» عند الحنفية: «العقل» و «الرضا» , فلا تصح حوالة مجنون, وصبي لا يعقل، ولا تصح حوالة المكره؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك, فتفسد بالإكراه، وأمَّا «البلوغ» , فشرط نفاذ, فصحة حوالة الصبي العاقل موقوفة على إجازة وليه، وليس من شروط «المحيل» : «الحرية» ، فتصح حوالة العبد مطلقًا غير أن المأذون يطالب في الحال, والمحجور عليه ـ غير المأذون ـ بعد العتق.
وليس كذلك من شرطها: «الصحة» , فتصح من مريض؛ لأنها من قبل المحيل ليست بتبرع.
ويشترط في «المحتال» : «العقل» و «الرضا» ، وأمَّا «البلوغ» , فشرط نفاذ أيضًا، فينعقد احتيال الصبي موقوفًا على إجازة وليه إن كان الثاني ـ المحال عليه ـ أملأ من الأول ـ المحيل ـ كـ «احتيال الوصي بمال اليتيم» لا تصح إلا بهذا الشرط؛ لأنه منهي عن قربان ماله إلا على الوجه الأحسن؛ للآية الكريمة: (( وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) [2] الآية.
ومما يشترط في «المحتال» : «الرضا» ، حتى لو احتال مكرهًا لا تصح؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك, فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات.
ومن شروطها عند الحنفية أيضًا: مجلس الحوالة، وهو شرط الانعقاد [3] عند أبي حنيفة, ومحمد, وعند أبي يوسف شرط نفاذ [4] , وبناء عليه لو كان المحتال غائبًا عن مجلس العقد, فبلغه الخبر, فأجاز لا ينفذ عندهما, وعند أبي يوسف ينفذ.
والصحيح: قولهما؛ لأن قبوله من أحد الأركان الثلاثة, فكان كلا منهما بدون شرط العقد, فلا يقف على غائب عن المجلس كما في البيع.
(1) بدائع الصنائع 7/ 415416.المعني لابن قدامة 5/ 85.
(2) الأنعام الآية 152.
(3) شروط الانعقاد هي التي يلزم توافرها في أركان العقد أو في أسسه وإذا تخلف شرط منها كان العقد باطلا بالاتفاق.
(4) شرط النفاذ هو التي يتوقف عليه ترتيب أثر العقد بالفعل بعد انعقاده وصحته فإذا تخلف شرط كان العقد عند الحنفية والمالكية موقوفا وعند الشافعية والحنابلة موقوفا.