المطلب الخامس
فيما إذا وهب بائع السلعة ماثمنها لشخص أو تصدق به
عليه, وأحاله به على المشتري ثم ردت السلعة؛ لنحو عيب, فما حكم الهبة أو الصدقة؟
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على رأيين:
الأول: فرَّق بين قبض الموهوب له أو المتصدق عليه, وعدم قبضه، فقال: تبطل الهبة أو الصدقة إذا لم يقبضها الموهوب له أو المتصدق عليه, وإن قبضها أيٌّ منهما لم يُتَّبع بها لا الموهوب له, ولا الواهب, ويضيع ذلك على المشتري، وقال ابن القاسم بذلك نقله عنه اللخمي في التوضيح [1] .
ولعل حجة هذا الرأي: أن الموهوب له لا يتَّبع بها؛ لأن الهبة تمت صحيحة بقبضها؛ لأن الهبة عندنا تتم بالقبض، ولا يتبع الواهب؛ لأنه لحظة الهبة أحال بها, والعقد صحيح.
والثاني: تبطل الحوالة هنا إذا رُدَّ المبيع أو استحق، وبناء على هذا: إن كان الموهوب له قد قبض الثمن الموهوب له أخذه منه المشتري, أي: استرده, وهذا ما قاله أشهب [2] .
وحجة هذا: أن الغيب كشف, وأظهر أنه وهب أو تصدق بما لم يكن يملك, وهذا لا يجوز.
(1) حاشية الدسوقي الشرح الكبير 4/ 535.
(2) المصدر السابق، وقد حكى ابن رشد والقرافي في المسألة أقوالا عدة أرى أنه من نافلة القول أن أذكرها هنا:
1)... أن هبة الثمن أو الصدقة يعتبر تفويتا له ويلزم المشتري أن يدفعه إلى الموهوب له أو المتصدق عليه ويرجع به على البائع الواهب رواه عيسى عن ابن القاسم في المدونة.
2)... أنه لا يفوت إلا بالقبض من الموهوب له أو المتصدق عليه فإن لم يدفعه للمشتري كان له أن يمسكه وإن كان دفعه لم يكن له أخذه ورجع على البائع به.
3)... أن لا يفوت إلا باستهلاك الموهوب له بعد القبض فإن كان لم يدفعه كان له أن يمسكه وغن كان قد دفعه إليه كان له أن يأخذه منه مالم يفوته بأكل أو استهلاك فإن فوته بذلك مضى له ورجع المشتري به على البائع الواهب.
4)... أن الهبة والصدقة لا تصح للموهوب له ا والمتصدق عليه بحال من الأحوال لأن الغيب كشف أنه وهب أو تصدق بما لم يملك وإن كان قد دفعه فاستهلكه رجع المشتري على البائع ورجع البائع الواهب على الموهوب له أو المتصدق عليه. رواه محمد بن المواز عن ابن القاسم.
5)... أن كان البائع الواهب عديما كان المشتري أن يمسكه إن كان لم يدفعه وإن كان مليا لزمه أن يدفعه إلى الموهوب له ويتبع به الواهب وهذا قول ابن القاسم في النكاح البيان والتحصيل لابن رشد 11/ 357358. الذخيرة للقرافي 7/ 429.