المطلب الأول
ما الحكم لو جحد المحال عليه أو أنكر الحق الذي للمحيل قبله؟
اختلف في ذلك على رأيين:
الرأي الأول, وهو للحنفية: أنه إذا جحد المحال عليه الحق الذي للمحيل عليه في ذمته, وحلف على ذلك, والحال أن لا بينة للمحال, فإنه يرجع على المحيل.
واستدلوا على ذلك بالآتي:
1)ما روي عن سيدنا عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنه قال في المحال عليه إذا مات مفلسًا عاد الدَّين إلى ذمة المحيل، وقال:"لا توي [1] على مال امرئ مسلم", وعن شريح مثل ذلك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه, فكان إجماعًا [2] .
2)ولأن الدَّين كان ثابتًا في ذمة المحيل قبل الحوالة.
3)ولأن الأصل أن الدَّين لا يسقط إلا بالقضاء؛ لأن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «الدين مقضيٌّ .. » الحديث [3] .
إلا أنه ألحق الإبراء بالقضاء في السقوط, والحوالة ليست بقضاء, ولا إبراء, فبقي الدَّين في ذمته على ما كان قبل الحوالة، إلا أنه بالحوالة انتقلت المطالبة إلى المحال عليه إلى غاية «التوي» ؛ لأن حياة الدَّين بالمطالبة, فإذا توي لم تبق وسيلة إلى الإحياء, فعادت إلى محلها الأصلي.
ثم ردوا على الإمام الشافعي ـ الذي يرى عدم الرجوع مستدلًا بحديث ذكر في أول الحوالة ـ، فقالوا: إن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- علَّق الحكم على شرط الملاءة, وقد ذهبت الملاءة بالجحد عند أبي حنيفة [4] .
(1) توي: توى المال أي تلف وهو يوزن علم، وهو تو وتاو، المعجم الوجيز ص 79 مختار الصحاح ص 40 ويراد به عند أبي حنيفة واحد من اثنين: أن يجحد المحال عليه الحوالة فيحلف ولا بينة للمحال ولا للمحيل لأنه حينئذ لا يقدر على ماله.
(2) أو أن يموت المحال عليه مفلسا، لأن العجز على الوصول للحق وهو التوى في الحقيقة يتحقق بكل واحد منهما وقال أبو يوسف ومحمد زيادة على ما قاله أبو حنيفة أو أن يحكم الحاكم بإفلاسه بالشهود حال حياته وهذا الاختلاف بناء على أن الإفلاس بتفليس الحاكم عند الإمام غير معتبر ولا يتحقق، وعندهما هو محل اعتبار ويتحقق. ووجه قول أبو حنيفة لأنه يتوهم ارتفاع الفلس وزواله بحدوث مال له فلا يعود بتفليس القاضي على المحيل. شرح فتح القدير 7/ 228. والنتف في الفتاوى للسعدي 2/ 896.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 6/ 71. بسنده عن عثمان موقوفا والوقف ضعيف.
(3) سنن ابن ماجه 3/ 150. كتاب الصدقات باب الكفالة سنن أبي داود 9/ 347 كتاب البيوع والإجارات باب تضمين العارية.
(4) بدائع الصنائع 7/ 222223. حاشية ابن عابدين 8/ 10.