فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 71

الثاني: وهو لجمهور الفقهاء ـ المالكية, والشافعية, والحنابلة, والظاهرية ـ: وهؤلاء يرون أنه إذا تمت الحوالة, فجحد المحال عليه الحق الذي عليه للمحيل, فلا رجوع للمحال على المحيل، وهذا هو القدر المشترك عند هؤلاء, ولكن للمالكية والشافعية قيودًا أرى أنه من اللازم ذكرها، وذلك على النحو التالي:

فالمالكية: يقيدون عدم رجوع المحال على المحيل في هذه الحالة:

بأن يكون الجحد, والإنكار بعد عقد الحوالة، أما لو جحد المحال عليه الحق الذي للمحيل قبله, وكان ذلك الجحد والإنكار قبل عقد الحوالة، والحال ألا بينة للمحيل بحقه, فلا تصح الحوالة في هذه الحالة؛ لفقد شرط من شروطها, وهو ثبوت الدَّين [1] .

أما الشافعية: فيرون كذلك عدم رجوع المحال على المحيل إذا جحد المحال عليه الحق, وحلف على ذلك؛ لأنه انتقل حقه إلى مال يملك بيعه, فسقط حقه من الرجوع، كما لو أخذ بالدَّين سلعة ثم تلفت بعد القبض [2] .

واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالآتي:

1)ما روي من أن حَزنا ـ جد سعيد بن المسيِّب ـ كان له على علي -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- دين فأحاله به, فمات المحال عليه, فأخبره, فقال: اخترت علينا أبعدك الله, فأبعده بمجرد احتياله, ولم يخبره أن له الرجوع [3] .

2)ولأن الحوالة براءة من دين ليس فيها قبض ممن عليه, ولا ممن يدفع عنه, فلم يكن فيها رجوع كما لو أبرأه من الدَّين [4] .

3)وقال ابن حزم [5] : إن الحوالة إذا صحَّ أمرها سقط الحق عن المحيل, وإذا سقط, فمن الباطل رجوع حق قد سقط بغير نص يوجب رجوعه, ولا إجماع يوجب رجوعه.

وقد أجاب ابن قدامة, وابن حزم على الحنفية، فقالا:

إن حديث عثمان لم يصح؛ لأنه يرويه خالد بن جعفر عن معاوية بن قرة عن عثمان, ولم يصح سماعه منه، وقد روي أنه قال في حوالة أو كفالة: وهذا الشك يوجب التوقف, ولا يصح, ولو صح كان قول عليّ مخالفًا له [6] .

ويضيف ابن حزم في الرد: لا حجة في أحد دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكيف, وقد روينا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عليّ بن عبيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لأبيه المسيب دين على إنسان ألفا درهم, ولرجل آخر على عليّ بن أبي طالب ألفا درهم, فقال ذلك الرجل للمسيب: أنا أحيلك على عليّ, وأحلني أنت على فلان، ففعلا،

(1) الشرح الكبير 4/ 534. فتح الرحيم 3/ 145. شرح الزرقاني 6/ 10. بداية المجتهد 2/ 300. حاشية الصاوي الشرح الصغير 2/ 145. حاشية الرهوني 5/ 407. البهجة شرح التحفة 2/ 96. مواهب الجليل 7/ 27.

(2) المهذب 2/ 144145. حاشية الجمل 5/ 240241. روضة الطالبين 3/ 520521. شرح منهاج الطالبين حاشيتي قليوبي وعميره 2/ 512. مغني المحتاج 3/ 194.

(3) هكذا ذكره ابن قدامة المغني 5/ 59. المحلي لابن حزم 6/ 393.

(4) المصدر السابق

(5) المحلى 6/ 393.

(6) المغنى 5/ 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت