إذا أدى المحال عليه ـ الذي ليس عليه دين للمحيل ـ, فهل يطالب بعد ذلك المحيل بما أدى عنه أم لا؟
بناء على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ـ المالكية, والشافعية, وما يفهم من نصوص الحنفية ـ في الإجابة على التساؤل الأول من أن هذه المعاملة حمالة, وكفالة لا يبرأ بها المحيل, وفي هذه أقوال ثلاثة عند المالكية [1] , ويفرق الشَّافعية بين أمرين:
الأول: أن يقضي عنه دينه بإذنه، فإنه يرجع عليه في هذه الحالة.
الثاني: أو أن يقضي عنه دينه بغير إذنه, فإنه لا يرجع عليه في هذه الحالة؛ لأنه متبرع [2] .
ويفسرها الحنابلة تفسيرًا آخرًا: إنه إذا قبض المحال من المحال عليه الذي ليس عليه دين للمحيل رجع المحال عليه على المحيل بما دفعه عنه للمحتال؛ لأنه قرض حيث لم يتبرع [3] .
الرأي الثاني: أن الحوالة لا تجوز إلا على من له عليه دين، وهذا بناء على أن الحوالة بيع ما في الذِّمة بما في الذِّمة, فإذا أحال على من لا دين له عليه كان ذلك بيع معدوم, وبيع المعدوم لا يصح، وقال بهذا الشافعية في وجه ثان عندهم [4] .
الشق الثاني
ثبوت دين المحال في ذمة المحيل
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء أنه إذا لم يكن هناك دين للمحال في ذمة المحيل كان العقد في هذه الحالة «وكالة بالقبض» ، فكأن المحيل الذي له دين على المحال عليه وكَّل المحال ـ الذي ليس له دين على المحيل ـ في أن يقبض له دينه من المحال عليه, وتخليصه له منه, وقال بذلك الحنفية, والمالكية, والشافعية في وجه, والحنابلة [5] .
وبناء على هذا الرأي: لو طالب المحيل المحتال بما أحاله به, وقال: «إنما أحلتك؛ لتقبضه لي» , وقال المحال: «لا, بل أحلتني بدين كان لي عليك» , فالقول قول المحيل بيمينه؛ لأن المحال يدعي عليه الدَّين, وهو ينكر، والقول قول المنكر عند عدم البينة؛ لأن الأصل فراغ الذِّمة, وعدم شغلها إلا بدليل, وهو البينة ونحوها، ثم إن لفظة «الحوالة» مستعملة في الوكالة، وهذا في قول.
وفي قول آخر: إن القول قول الطالب ـ المحال ـ عندما يدعي الحوالة, وليس الوكالة؛ لأن الحوالة بالدَّين ظاهرًا، فما قاله المحيل توكيل, فهو خلاف الظاهر, وهذا في وجه عند الشافعية, وهو قول الإمام أحمد [6] .
ووجهة نظر من قال: بعدم اشتراط ذلك, وتكون وكالة لا حوالة, وهو جمهور الفقهاء:
(1) ذكرت أكثر من مرة انظرها ص 44 رقم 2.
(2) المهذب للشيرازي 2/ 144.
(3) كشاف القناع 3/ 385. المغني 5/ 5657. التوضيح 2/ 674.
(4) المهذب للشيرازي 2/ 144.
(5) الهداية شرح بداية المبتدئ شرح فتح القدير 7/ 230. الدر المختار بحاشية ابن عابدين 8/ 13. الاختيار للموصلي 3/ 4. الشرح الصغير بحاشية الصاوي 2/ 153. الفواكه الدواني 2/ 324. الذخيرة 7/ 426. المدونة الكبرى 4/ 149. التاج والإكليل 7/ 23. الشرح الكبير حاشية الدسوقي 4/ 529530. شرح الخرشي 6/ 293. حاشية الجمل شرح المنهج روضة الطالبين حاشيتا قليوبي وعميرة معونة أولي النهى كشاف القناع.
(6) انظر مصادر الشافعية والحنابلة هامش 3 ص 46.