المبحث الثاني
انتقال الدَّين المحال به بمجرد الحوالة
اتفق معظم الفقهاء على أنه إذا تمت الحوالة مستوفية للشروط التي ذكروها, والأركان التي نصوا عليها بريء المحيل من دين المحال, وبريء المحال عليه من دين المحيل؛ لأن الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه, فلا يملك المحال الرجوع على المحيل بحال من الأحوال إذا صحت الحوالة, وهذا هو قول عامة أهل العلم كما ذكرت.
واستند الجمهور فيما ذهبوا إليه إلى:
أن الأحكام الشرعية تثبت على وفق المعاني اللغوية، فمعنى «الحوالة» : النقل والتحويل, وهو لا يتحقق إلا بفراغ ذمة الأصيل؛ لأن الدَّين متى انتقل من ذمة لا يبقى فيها، بخلاف الكفالة ـ هذا لمن قاس الحوالة على الكفالة ـ, فإن معناها: الضم, وهو يستلزم, ويقتضي أن يكون موجب الكفالة ضم الذِّمة إلى الذِّمة, ولا يتحقق ذلك مع براءة الأصيل, والاستيثاق فيها بالضم، وفي الحوالة باختيار من هو الأملأ من المحيل, وأحسن من المحيل في القضاء [1] .
إلا أن الحسن وزفر, ومن وافقهما كان لهم رأي آخر:
فإن الحسن: لا يرى الحوالة براءة من الدَّين إلا أن يبرئه المحال, ولم أعثر له على دليل على هذا.
أما زفر: فإنه لا يرى الحوالة براءة من دين المحال بالسنبة للمحيل, وإنما ضمت بها ذمة إلى ذمة أخرى, وهي ذمة المحال عليه إلى ذمة المحيل؛ وذلك قياسًا على الكفالة؛ إذ إن كل عقد منهما عقد توثق, وليس من الوثيقة براءة الأول ـ المحيل ـ بل الوثيقة في مطالبة الثاني مع بقاء الدَّين على حاله في ذمة الأول من غير تغيير كما في الكفالة [2] ؛ ولأن المقصود بها: التوثق, وهو: بازدياد المطالبة كـ «الكفالة» لا تؤثر في سقوط ما كان له من المطالبة [3] .
وأجاب الجمهور على ذلك بالآتي:
إن «الحوالة» لغة: النقل, ومنه حوالة الغراس, والدَّين متى انتقل عن الذِّمة لا يبقى فيها ضرورة، أما «الكفالة» , فللضم, والأحكام الشرعية تأتي على وفق, ونسق المعاني اللغوية، أما «التوثق» , فعن طريق اختيار الأملأ, والأحسن في القضاء [4] .
ثم إنه من المحال بقاء الشيء الواحد في محلين في زمان واحد [5] .
ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه بناء على ما قاله جمهور الفقهاء: هل براءة المحيل من الدَّين, والمطالبة جميعًا؟ أم براءة من المطالبة دون الدَّين؟ إذن الخلاف في كيفية النقل -أي: نقل الدين.
(1) نبيين الحقائق للزيلعي 4/ 171.
(2) الهداية 3/ 299. بدائع الصنائع 7/ 420421. حاشية ابن عابدين 8/ 3. شرح فتح القدير 7/ 223224.
(3) تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 171.
(4) الهداية 3/ 299. بدائع الصنائع 7/ 420421. حاشية ابن عابدين 8/ 3. شرح فتح القدير 7/ 223224.
(5) الاختيار للموصلي 3/ 3.