كان لفقهاء الحنفية في هذا اتجاهين:
الاتجاه الأول: وهو لأبي يوسف أن الحوالة توجب نقل الحق, والمطالبة جميعًا، وبناء عليه لو أبرأ المحال المحيل صحَّ إبراؤه, ودلَّ على ذلك الإجماع, والمعقول:
أما الإجماع: فقد قال الكاساني: فلأنا أجمعنا على أنه لو أبرأ المحال عليه من الدَّين أو وهب منه صحت البراءة والهبة، ولو أبرأ المحيل من الدَّين أو وهب منه لا يصح, ولو أن الدَّين انتقل إلى ذمة المحال عليه, وفرغت ذمة المحيل عن الدَّين لما صحَّ الأول؛ لأن الإبراء عن الدَّين, والحال أن لا دين هذا محال، ولكان صحَّ الثاني؛ لأن الإبراء عن دين ثابت وهبته منه صحيح, وإن تأخرت المطالبة كالإبراء عن الدَّين المؤجل.
وأما المعقول: فلأن الحوالة توجب النقل؛ لأنها مشتقة من التحويل, وهو النقل, فيقتضي نقل ما أضيف إليه, وقد أضيفت إلى الدَّين لا إلى المطالبة؛ لأنه إذا قال: «أحلتك بالدين» ، أو أحلت فلانًا بدينه, فهذا يوجب انتقال الدَّين إلى المحال عليه إلا أنه إذا انتقل أصل الدَّين إليه تنتقل المطالبة؛ لأنها تابعة [1] .
الاتجاه الثاني: وهو لمحمد، وهو أن الحوالة توجب نقل المطالبة فقط دون الدَّين، ودلَّ على هذا الإجماع, والمعقول أيضًا.
أمَّا الإجماع: فإن المحيل إذا قضى دين المحال بعد الحوالة قبل أن يؤدي المحال عليه لا يكون بذلك متطوعًا بل ويجبر المحال على القبول, ولو لم يكن على المحيل دين لكان متطوعًا, فينبغي أن لا يجبر على القبول، كما إذا تطوع أجنبي بقضاء دين إنسان على غيره، وكذلك المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لا يرتد برده, ولو وهبه منه يرتد برده كما إذا أبرأ المحال -الطالب الكفيل أو وهبه منه-، ولو انتقل الدَّين إلى ذمة المحال عليه لما اختلف حكم الإبراء, والهبة, ولا ارتد جميعًا بالرد كما لو أبرأ الأصيل أو وهب منه, وكذلك المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لا يرجع على المحيل, وإن كانت الحوالة بأمره كما في الكفالة.
ولو وهب الدَّين منه له أن يرجع عليه إذا لم يكن للمحال عليه دين كما في «الكفالة» , ولو كان عليه دين يلتقيان قصاصًا كالكفالة, فدلت هذه الأحكام على التسوية بين الكفالة والحوالة، ثم إن الدَّين في باب الكفالة ثابت في ذمة الأصيل, فكذا في الحوالة [2] .
وأمَّا المعقول: فهو أن الحوالة شرعت وثيقة للدَّين بمنزلة الكفالة, وليس من الوثيقة إبراء الأول بل الوثيقة في نقل المطالبة مع قيام أصل الدَّين في ذمة المحيل [3] .
وما هي ثمرة الخلاف؟
تظهر ثمرة الخلاف في موضوعين:
الأول: إذا أبرأ المحتال المحيل من الدَّين, قال أبو يوسف: لا يصح، وقال محمد: يصح.
(1) بدائع الصنائع 7/ 421. الاختيار 3/ 403. مجمع الضمانات ص 282 حاشية ابن عابدين 8/ 3. شرح فتح القدير 7/ 223224. تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 172.
(2) بدائع الصنائع 7/ 421422. تبيين الحقائق 4/ 172.
(3) المصدران السابقان حاشية ابن عابدين 8/ 3. شرح فتح القدير 7/ 223224.