فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 71

وعللوا ذلك: بأن الحوالة عقد إرفاق كالقرض، فلو جوزت مع الاختلاف لكان المطلوب منها الفضل، فتخرج بذلك عن موضوعها, وكذلك قياسًا على المقاصة؛ حيث إنها في معناها.

الاتجاه الثاني: ويمثل هذا الاتجاه المالكية، ومضمونه طبقًا لما جاء في النصوص عندهم: أنه يشترط حلول الدَّين المحال به -أي: الدَّين الذي للمحال على المحيل-؛ لأنه إذا لم يكن حالًا أدى ذلك إلى تعمير ذمة بذمة, فيؤدي ذلك إلى بيع الدَّين بالدَّين، والذَّهب بالذَّهب، أو الورق بالورق، أو أحدهما بالآخر لا يدًا بيد إذا كان الدينان عينًا. إلا أن يكون الدَّين المحال عليه, وهو: دين المحيل الذي له في ذمة المحال عليه حالًا, ويقبضه المحال قبل أن يتفرقا, مثل: الصَّرف, فيجوز.

ولقد قال المالكية في علة هذا الشرط -وهو حلول الدَّين المحال به-: أن الأصل في الحوالة المنع؛ لأنها بيع دين بدين، ولكن رخص بها عند حلول المحال به, والرخصة لا تتعدى موردها، إلا إذا كان المحال عليه حالًا, فتجوز في هذه الحالة إذا قبضه المحال في المجلس قبل التفرق قياسًا على الصَّرف، ولذلك قال الرماصي من المالكية:"إن خرجت الحوالة عن محل الرخصة بعدم حلول المحال به, ففي هذه الحالة تطبق عليها القواعد العامة -أي: أنها إن أدت إلى تعمير ذمة المحيل, والمحال عليه, فتكون من بيع الدَّين بالدَّين-, ويمنع هذا؛ لنهي النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك في الحديث الذي رواه ابن عمر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-ما: «نهى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الكالئ بالكالئ» , وهو: النسيئة بالنسيئة [1] ."

ويزيد المالكية هذا الشرط توضيحًا, فيقولون: إذا كان الدَّين الذي على المحيل للمحال ذهبًا, وكذلك إذا كان الدَّين الذي للمحيل على المحال عليه ذهبًا, فإذا لم يحل المحال به أدى ذلك إلى بيع الذهب بالذهب لا يدًا بيد أو إذا كانا ورقًا, فكذلك, وهذا منهي عنه للآتي:

1)ما رواه أبو سعيد الخدري [2] أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشَّعير بالشَّعير, والتَّمر بالتَّمر, والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد, فمن زاد أو ازداد, فقد أربى الآخذ, والمعطي فيه سواء» .

2)ما رواه عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الذَّهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء [3] , والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء, والشَّعير بالشَّعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء» . متفق عليه [4] .

(1) الدر المختار حاشية ابن عابدين 8/ 17 حيث يقول ابن عابدين: تنقسم الحوالة المطلقة إلى مؤجلة وحالة، فالحالة أن يحيل الغالب بألف هي على الأصيل حالة فتكون على المحيل عليه حالة؛ لأن الحوالة لتحويل الدين فيتحول بصفته التي هي على الأصيل أما المؤجلة فكأن تكون الألف إلى سنة فأحال بها إلى سنة ولو ابهمها .. وقالوا ينبغي أن تثبت مؤجلة كما في الكفالة. حاشية الجمل شرح المنهج شرح المنهاج بحاشيتي قليوبي وعميرة روضة الطالبين 3/ 520 حيث يقول النووي الشرط الثالث من شروط صحة الحوالة اتفاق الدينين، جنسا وقدرا وحلولا وتأجيلا. في وجه: تجوز الحوالة ... وبالمؤجل على الحال؛ لأن المحيل أن يعجل ما عليه، والصحيح المنع. المغني لابن قدامة 5/ 55 حيث ما جاء نصه ويعتبر اتفاق المؤجلين فإن كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا أو أجل أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين لم تصح. المحلى لابن حزم 6/ 395 حيث جاء فيه: وتجوز الحوالة بالدين المؤجل على الدين المؤجل إلى مثل أجله لا إلى أبعد ولا إلى أقرب وتجوز الحوالة بالحال على الحال ولا تجوز بحال على مؤجل ولا بمؤجل على حال ولا بمؤجل على مؤجل إلى غير أجله لأن في كل ذلك إيجاب تأجيل حال أو إيجاب حلول مؤجل ولا يجوز ذلك غذ لم يوجبه نص ولا إجماع.

(2) مسالك الدلالة ص 223، حاشية البناني شرح الزرقاني 6/ 18. البهجة شرح التحفة 2/ 92. المقدمات لابن رشد 2/ 404. الشرح الصغير بحاشية الصاوي 2/ 154. الشرح الكبير للدردير 4/ 531. شرح الخرشي 6/ 295. شرح الزرقاني 6/ 19. مواهب الجليل 7/ 2425. حاشية الدسوقي 4/ 531532. التاج والإكليل 7/ 24.

(3) صحيح البخاري بحاشية السندي 2/ 21. كتاب البيوع باب بيع الفضة بالفضة صحيح مسلم بشرح النووي 11/ 13. كتاب المساقاة باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا مسند الإمام أحمد 12/ 517 رقم 7558 نيل الأوطار للشوكاني 5/ 162.

(4) قوله -صلى الله عليه وسلم- إلا هاء هاء. أي خذ وهات وأصله من: هوأ وهاء يا رجل بالمد وكسر الهمزة أي هات، وهاءي يا امرأة بإثبات الياء، أي هاتي وهاء يا رجل بالمد وفتح الهمزة أي هاك وهاؤها وهاؤم مثل هاكما هاكم وهاء يا امرأة بغير ياء مثل: هاك مختار الصحاح ص 292 وقال النووي: فيه لغتان المد والقصر والمد أفصح وأشهر وأصله هاك فأبدلت المدة بالكاف ومعناه: خذ هذا ويقول صاحبه مثله، والمدة مفتوحة ويقال بالكسر أيضا ومن قصره قال: وزن. ... =

=إن خف يقال للواحد ها كخف والاثنين هاءا كخافا وللجمع هاؤا كخافوا والمؤنثة هاك ومنهم من لا يثني ولا يجمع على هذه اللغة ولا يغير في التأنيث بل يقول في الجمع ها، قال السيرافي كأنهم جعلوها صوتا كصه ومن ثنى وجمع قال للمؤنثة هاك وهما لغتان ويقال في لغة هاء بالمد وكسر الهمزة للمذكر وللأنثى هاتي بزيادة تاء، وأكثر أهل اللغة ينكرون ها القصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت