فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 71

وأمَّا وجود الجهالة بدون الغرر, فكشراء حجر يراه، لا يدري أزجاج هو أم ياقوت، مشاهدته تقتضي القطع بحصوله إذن, فلا غرر, وعدم معرفته حقيقته تقتضي الجهالة.

وأما اجتماع الغرر والجهالة, فكشراء السيار المسروقة المجهولة الصفة قبل السرقة أو الجمل الشارد, ونحو ذلك.

أما عن حكم الغرر والجهالة, وأثرهما:

فأقول: الغرر والجهالة ثلاثة أقسام:

القسم الأول: كثير ممتنع إجماعًا كـ «الطير في الهواء» .

القسم الثاني: قليل جائز إجماعًا كـ «أساس الدار» و «قطن الحبُيَّة» .

القسم الثالث: ومتوسط، وهذا اختلف فيه: هل يلحق بالأول والثاني، فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل, وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر, والجهالة. ا. ه.

أمَّا عن الغرر, وأثره في الحوالة:

فقد ذكرت أن البعض اعتبر الحوالة مستثناة من النهي عن بيع الدَّين بالدَّين؛ نظرًا لحاجة الناس, وبيع الدَّين بالدَّين منهي عنه للغرر, فكذلك الحوالة فيها نوع غرر, ولكنه من النوع القليل الجائز لاغتفار الشارع له, ومسامحته فيه، ولذلك كان من أثر هذا كما قال المازري: شروط بيع الدَّين علم حال ذمة المدين [1] , وإلا كان غررًا بخلاف الحوالة.

(1) وبيع الدين بالدين هو ما يعبر عنه ببيع الكالئ بالكالئ من الكلاءة: بكسر الكاف أي الحفظ وهو النسيئة بالنسيئة وهي أن يشتري الرجل شيئا بثمن مؤجل فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضى به يقول: بعه مني إلى اجل بزيادة شيء فيبيعه منه غير مقبوض؛ وبمعنى آخر هو: أن يشتري منه شيئا موصوفا في الذمة يسلمه إلى أجل بثمن مؤجل. النظم المستعذب 2/ 29.

واعتراض على هذا بأن الدين لملكوء لا كالئ والكالئ هو صاحبه لأنه الذي يحفظ الدين.

وأجيب عن هذا بأن هذا من قبيل المجاز في اسناد الفعل لملابسه فحق الكلاءة أن تسند للشخص بأن يقال: كالئ صاحبه فأسندت للدين للملابسة التي بين الدين وصاحبه أوان كالئ بمعنى مكلوء فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم الفاعل وإرادة اسم المفعول لعلاقة اللزوم؛ لأنه يلزم من الكالئ المكلوء وعكسه. بلغة السالك 2/ 32. وحاشية الدسوقي 4/ 98.

وبيع الكالئ بالكالئ ثلاثة أقسام:

الأول: فسخ الدين في الدين، وهو فسخ ما في ذمة المدين في مؤخر قبضه عن وقت الفسخ سواء حل الدين أم لا إن كان المؤخر من غير جنسه أو من جنسه ولكنه أكثر من الدين، كما لو كان الدين عشرة جنيهات ففسخها في خمسة عشر يتأخر قبضها.

وأما تأخيرها مع حطيطة بعضها فجائز، وفسخ الدين في الدين لا يجوز إذا كان هناك منفعة في ذلك؛ لأنه يكون ربا من باب آخر وأزيدك فالتأخير سلف والزيادة منفعة فيكون سلفا جر نفعا.

فلوكان ذلك على رجل ألف جنيه إلى سنة فتفسخها في عشرة أثواب مثلًا، فإن كان الفسخ إلى أجل الألف جنيه أو دونه فقولان: الجواز وهو أظهر في النظر، والمنع وهو أشهر ومنشأ الخلاف هو: هل النهي عن فسخ الدين في الدين معلل أم لا؟ فمن علل بالزيادة الربا أجاز لأنه لا زيادة في هذه الصورة ومن رأى أنه غير معلل قال بالمنع.

وإن كان الفسخ إلى أبعد من الأجل فلا يجوز اتفاقا قولا واحدا لوجود الربا المتفق على تحريمه وهو ربا الجاهلية، إماان يعطي له وأما أن يربى، لأن الزيادة في الأجل تقتضي الزيادة في مقدار الدينكفاية الطالب الرباني 2/ 145. ... =

= الثاني: بيع الدين بالدين: وهو بيع الدين ولو حالا بدين لغير من هو عليه، وأما بيعه لمن هو عليه فلا يكون من بيع الدين بالدينن وإنما فسخ الدين في الدين، وسنفصل هذا بعد ذكر القسم الثالث.

الثالث: ابتداء الدين بالدين: وذلك مثل تأخير رأس مال السلم الثمن أكثر من ثلاثة أيام كأن يتعاقدا على أن يسلمه 100 مائة من الجنيهات بعد ثلاثة أيام في شيء موصوف في ذمة المسلم إليه، وهذا إذا كان رأس المال عينا ومنع هذا لما فيه من ابتداء دين بدين لأن كلا منهما اشغل ذمة صاحبه بدين له عليه وهذا النوع أخف من بيع الدين بالدين، وبيع الدين بالدين أخف من فسخ الدين بالدين.

أما إذا كان رأس المال السلم من غير عين جاز تأخيره أكثر من ثلاثة أيام إن لم يكن شرط. وأما ما يخصنا ووعدت بذكر تفصيله فهو بيع الدين بالدين:

وهو عبارة أن تبيع مالك على مدينك بدين في ذمة رجل ثالث فبيعه بمعين حال أو معين يتأخر قبضه، أو بمنافع معين فلا يمنع هذا ولكن بشروط عدة وهي:

1)... أن يكون المدين حاضرا في البلد ولولم يحضر المجلس البيع.

2)... أ ن يقر المدين بالدين، فإذا لم يقر بالدين فلا يصح بيع الدين بالدين ولو كان ثابتا بالبينة؛ لأنه من بيع ما فيه خصومة.

3)... أن يعجل الثمن حقيقة، أو حكمًا كبيعه بمنافع معين يتأخر قبضها لأن قبض الأوائل قبض للأواخر، في راي، كان يسكنه داره شهرا.

4)... أن يكون الثمن من غير جنس الدين، أو من جنسه في غير العين واتحدا قدرا وصفة لاإن كان أقل؛ لما فيه من دفع قليل في كثير وهو سلف بمنفعة.

5)... أن لا يكون الدين ذهبا بفضة، أو العكس، لما فيه من الصرف المؤخر المنهي عنه بقوله -صلى الله عليه وسلم- إذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ...

6)... ألا يكون الدين طعام معاوضة سلم وإلا لزم منه بيع طعام المعاوضة قبل قبضه وقد ورد النهي عنه سابقا.

7)... 7 أن يكون المدين حيا. ...

8)... أن يكون المدين ممن تأخذه الأحكام.

9)... أن لا يكون بين المشتري والمدين عداوة. (الشرح الصغير للدردير بلغة السالك 2/ 3334. وحاشية الدسوقي 4/ 101)

وعلة الشرط الأول والثاني: لأنه مع غيبة المدين لا يدري حاله مع فقرأوغنى والثمن يختلف باختلاف حاله، فيؤدي للجهل وهذا رأي المازري وغيره ويرى ابن القاسم فيما يروى عنه، جواز شراء الدين على الغائب وبه قال اصبغ ورواه أبو زيد عن الإمام مالك وبه العمل في مسألة قلب الرهان.

وأما علة اشتراط الإقرار: وإن كان على بينة؛ لأنه قد يطعن فيها أو يدعي القضاء، فيكون من شراء مافيه خصومة وهو ممنوع من على المشهور.

وأما على اشتراط الشرط الثالث: وهو تعجيل الثمن، لأنه إذا لم يعجل في الحال كان من بيع الدين بالدين ولا فرق بين أن يعجل حقيقة أو حكمًا كبيعه بمنافع عين أو بمعين يتأخر قبضه غذ لا يمتنع ذلك في بيع الدين بالدين بخلاف فسخه. التحفة شرح البهجة 2/ 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت