منهم خفَّفوا حدة نسبة إنكار الترجيح، منهم ابن السبكي - رحمهما الله تعالى - الذي نُسِب إليه القول بوجوب العمل بما رجح قطعًا، أمّا ما رجح بالظن كان له التخيير بَيْن العمل وعدمه.
وبناءً على ما تقدَّم إنْ حمَلْنا مذهب البصري على ما أورده ابن السبكي كان قريبًا مِن مذهب الباقلاني رحمهم الله تعالى؛ لاتفاقهما في وجوب العمل بما رجح قطعًا.
وإنْ حمَلناه على ما أوردته الكثرة: فإنّه مردود وغَيْر مقبول.
وفي ذلك يقول إمام الحرمين رحمه الله تعالى:"ولا ينكر القول به على الجملة مذكور، وقَبِله منكرو القياس واستعملوه في الظواهر والأخبار وحكى القاضي عن الملقب بـ"البصري"- وهو جُعْل - أنّه أنكر القول بالترجيح، ولَمْ أرَ ذلك في شيء مِن مصنفاته مع بحثي عنها" (1) ا. هـ.
كما أنّ تضارُب المحكي عن القاضي الباقلاني في نسبته إلى البصري مرّةً وإلى أبي عبد الله مرّةً وإلى أبي الحسين مرّةً أخرى تقوِّي ضَعْف هذا المذهب.
تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليين وأدلتهم في حُكْم العمل بالدليل الراجح يتضح لنا ما يلي:
1 -أنّ كثيرًا مِن الأصوليين حصر النزاع بَيْن مذْهبيْن، مع اتفاقهم في نسبة المذهب الأول إلى جمهور الأصوليين وعامّتهم، واختلافهم في نسبة المذهب الثاني: فمنهم مَن نسبه إلى الباقلاني رحمه الله تعالى، ومنهم مَن أورده مقابل مذهب الجمهور بصيغة"وأنكره قوم".
2 -أنّ إنكار الترجيح ليس مذهبًا لِلباقلاني رحمه الله تعالى، وليس مذهبًا لِلبصري الذي نفاه عنه الجويني رحمهما الله تعالى ..
(1) البرهان 2/ 1142