روايتهما - كانت الرواية المتأخرة ناسخةً لِلمتقدمة.
وإنْ جهلنا زمن الروايتيْن أو زمن واحدة منهما فلا نقدِّم رواية واحد منهما على الأخرى؛ لأنّ كُلّ راوٍ منهما نال فضيلةً تجعله متساويًا مع الآخَر: فمتقدم الإسلام بالأسبقية، ومتأخره بوقوفه على آخِر الأمْريْن مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولِذَا أرى عند التساوي في هذه الحالة أنْ تتوقف على ترجيح رواية واحد منهما، إلا إنْ تقوَّت بمرجِّح آخَر كانت هي المقدَّمة حينئذٍ.
مثاله: ما روته السيدة عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْت" (1) ..
وفي رواية:"كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ (2) الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُحْرِم" (3) ..
فإنّه معارَض بما رواه يعلى بن أمية - رضي الله عنه - (4) أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل متضمخ بطِيب فقال:"يَا رَسُولَ اللَّهِ .. كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيب؟"فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءه الوحي ثُمّ سُرِّي عنه فقال
(1) أَخْرَجَه مسلم في كتاب الحجّ: باب الطِّيب لِلمُحْرِم عند الإحرام برقم (2042) والنسائي في كتاب مناسك الحجّ: باب إباحة الطِّيب عند الإحرام برقم (2637) وأبو داود في كتاب المناسك: باب الطِّيب عند الإحرام برقم (1483) .
(2) الوبيص: البريق واللمعان .. يُرَاجَع لسان العرب 7/ 104
(3) أَخْرَجَه البخاري في كتاب الغسل: باب مَن تطيَّب ثُمّ اغتسل وبقي أثر الطِّيب برقم (263) ومسلم في كتاب الحجّ: باب الطِّيب لِلمُحْرِم عند الإحرام برقم (2048) والنسائي في كتاب مناسك الحجّ: باب إباحة الطِّيب عند الإحرام برقم (2645) .
(4) يَعْلَى بن أميّة: هو الصحابي الجليل أبو خَلَف يَعْلَى بن أميّة بن هَمّام التميمي المكّي - رضي الله عنه -، أَسْلَم يَوْم الفتح، شَهِد الطائف وتبوك، كان عاملًا لِعُمَر - رضي الله عنه - على نجران، وعلى اليَمَن لِعُثْمَان - رضي الله عنه -، كان معروفًا بالسخاء والكرم.
تُوُفِّي - رضي الله عنه - سَنَة 47 هـ.
سِيَر أعلام النُّبَلاَء 3/ 100 - 101 وتهذيب الكمال 22/ 378 - 380