استدلّ أصحاب المذهب الأول - القائلون بجواز الترجيح بكثرة الأدلة - بأدلة، أذكر منها ما يلي:
الدليل الأول: أنّ الدليليْن المتعارضيْن يفيد كُلّ منهما الظن، فإذا تقوَّى أحدهما بدليل آخَر أفاد حينئذٍ ظنّيْن، ولا شكّ أنّ الدليليْن يفيدان ظنّيْن، بخلاف الدليل الواحد، والظّنّان أقوى مِن ظنّ واحد؛ لِكونه أقرب إلى القطع والعمل بالأقوى أَوْلى، فدلّ ذلك على جواز الترجيح بكثرة الأدلة (2) .
الدليل الثاني: أنّ قول الواحد يفيد قدرًا مِن الظن، فإذا انضمّ إليه غيره وجب أنْ يفيد زيادةً عليه، وإلا لزم أنْ يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره، وأنْ يجتمع على الأثر الواحد مؤثّران مستقلاّن، وجواز أنْ لا يفيد التواتر القطع، وجميع ذلك لا يجوز، ولا بُدّ مِن تحقُّق زيادة فائدة إذا انضمّ غيره إليه، فدلّ ذلك على جواز الترجيح بكثرة الأدلة (3) .
مناقشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّ الخبر إذا عارضه الأقيسة قدِّم عليها بالإجماع، ولو كان الترجيح بكثرة الأدلة لَمَا قدِّم عليها.
الجواب عن هذه المناقشة:
وقد رُدَّتْ هذه المناقشة: بأنّ هذه الأقيسة المعارضة لِلخبر إما أنْ
(1) جامع الأسرار 4/ 1122
(2) تيسير الوصول إلى منهاج الأصول 6/ 206 بتصرف ويُرَاجَع الحاصل 2/ 969
(3) الفائق 4/ 395 بتصرف ويُرَاجَع: شرح المنهاج 2/ 792 ونهاية السول 3/ 164 وأصول الفقه لِلشيخ زهير 4/ 205 والتعارض والترجيح عند الأصوليين /300
تتّحد أصولها أو لا تتّحد ..
فإن اتحدت: لم تتعدد الأقيسة؛ لأنّها متّحدة حقيقةً؛ لاتحاد الأصل في الجميع.
وإنْ لم تتّحد أصولها: فممنوع أنْ يقدَّم الخبر؛ فإنّه هو المتنازَع فيه (1) .