الدليل الثالث: قوله تعالى {أَن تَضِلَّ إِحْدَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الأُخْرَى} (2) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ الله تعالى جعل شهادة المرْأتيْن برجل واحد، ... وبيَّن العلة في ذلك: وهي أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى، ولذا فإنّ الأولى قد تَقَوَّت بتذكرة الثانية، وهذا دليل على أنّ الترجيح يجوز بكثرة الأدلة (3) .
مناقشة هذا الدليل (لِلباحث) :
ويمكن مناقشة هذا الدليل: بأنّا سلَّمْنَا أنّ شهادة المرأة الواحدة تتقوى بشهادة المرأة الثانية، لكنّها لم تترجح بها؛ لأنّ الشهادة الثانية أصْل، ولا تتمّ ولا تُقْبَل الشهادة إلا باثنتين، ولذا كان الاستدلال خارج محلّ النزاع، ويكون مقبولًا إنْ وُجِدَتْ شاهدتان ثم أتت ثالثة أو رابعة مع أحد الطرفيْن المتنازعيْن، وحينئذٍ يكون فيها الخلاف الواقع في جريان الترجيح في الشهادة وهل نقيسها على الأدلة أم لا؟
أدلة المذهب الثاني:
استدلّ أصحاب المذهب الثاني - القائلون بعدم جواز الترجيح بكثرة الأدلة - بأدلة، أذكر منها ما يلي:
الدليل الأول: أنّ الترجيح لا يكون إلا بَيْن دليليْن متعارضيْن وتَقَوَّى أحدهما بتابع لِذلك الدليل لا بمستقلّ بالتأثير، والأدلة التي يتقوى بها بَعْد ذلك تُعَدّ مؤثّرًا مستقلاًّ، ولذا لا يجوز الترجيح بها: كالشهادة؛ فإنّه
(1) يُرَاجَع شرح المنهاج 2/ 792، 793
(2) سورة البقرة مِن الآية 282
(3) يُرَاجَع أصول البزدوي مع كشف الأسرار 4/ 138، 139
لا ترجح إحدى الشهادتيْن المتعارضتيْن بَعْد استكمال نِصَابهما بزيادة لإحداهما في العدد على الأخرى (1) .
مناقشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل مِن وجْهيْن: