الصفحة 10 من 99

وفي هذا المعنى الرائع، قال الحبيب المصطفى:

"إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون"

قالوا:

ـ يا رسول الله قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟

قال:

"المتكبرون"

وشدد صلى الله عليه وسلم على عدم استخدام المرء مهارته في الجدال، وحسن كلامه، وقوة حجتة للهروب من الحقيقة، والحصول بغير وجه حق إلى ما لايستحق، قال صلى الله عليه وسلم:

"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار"

وقد أثر عن نبي الله سليمان عليه السلام قوله لابنه:

(دع المراء فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان)

إن للحوار والجدل أدابا وشروطا أخرى بالاضافة إلى ما تم ذكره، منها، العلم، والحلم، والتواضع، والإخلاص في النية والقصد، واحترام رأي الآخر، وعدم تسفيهه، ومما أثر عن مشايخنا وعلماؤنا الإجلاء أن الإمام الشافعي كثيرًا ما كان يردد:

ـ كلامنا صحيح ويحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ ويحتمل الصواب.

وكان يقول أيضا::

ـ ما حاورت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق إلى جانبه.

حرصا منه على الوقوف على الحقيقة، وتقديرا لمحاوره.

وكما هي العادة في كل زمان ومكان، فقد شهدت الفترة التي جمعت بين الإمامين العظيمين الشافعي وأحمد محاولات يعض ضعاف القلوب والنفوس للصيد في الماء العكر، باللعب على وترتفضيل أحدهما على الآخر، والوقيعة بينهما بحجة أن لكل منهما مذهبه.

لكن علم وحلم وتواضع العالمين الجليلين بدد هذه المحاولات البائسة، ولنقرأ تبجيل كل منهما للآخر في هذه الأبيات الرائعة:

يقول الإمام الشافعي:

قالوا يزورك أحمد وتزوره .. قلت الفضائل لا تفارق منزلَه

إن زرته فلفضله أو زارني فبفضله ... فالفضل في الحالين له

لما بلغ الإمام أحمد عظُمت عنده الكلمة، فقال:

إن زرتنا فبفضلٍ منك تمنحنا أو نحن زرنا فللفضل الذي فيكا

فلا عدِمنا كلا الحالين منك ولا نال الذي قد تمنى فيك شانيكا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت