الصفحة 26 من 99

وقد كان لهذه القبائل أثرًا كبيرًا وواضحًا في تاريخ الهند، فقد استطاعت أن تؤثر في تقاليدها وأوضاعها الاجتماعية وبالتالي في مستواها الاقتصادي.

وقد تولد من استعلاء الآريين الفاتحين على سكان الهند الأصليين ومن احتكاكهم بهم، وطردهم من ميادين الحياة تلك التقاليد الهندوكية التي اعتبرت على مر التاريخ دينًا يدين به الهنود ويلتزمون بآدابه، فقد كان دينهم نوعًا من عبادة الطبيعة، وكان هذا الدين هو الأساس الأول للديانة الهندوكية التي نشأت نتيجة امتزاج بين عدد من المعتقدات المختلفة.

وتطورت الهندوكية مع الوقت لتصبح فكرة فلسفية من أهم مظاهرها الاعتقاد بنظام الطبقات الذي كان وسيلة للمحافظة على سلامة العرق السامي بعد أن خيف عليه من الاندماج في الأجناس الأخرى التي بدأ يتصل بها.

وحينما لاح تحول الحياة البدوية والنظام القروي البسيط إلى طور مدني، وظهور مدن صغيرة على ضفاف نهري الجنجا والجمنا كان من الطبيعي ظهور دول إقطاعية كثيرة، يحكمها الإقطاعيون الآريون. ومن ثم تحول الآريون ـ رعاة الغنم والخيول ـ إلى الحياة المدنية الأولى، وسارعوا إلى ممارسة كثير من الأعمال الزراعية والصناعية في البلاد، تلك التي كان يشغلها السكان الأصليين حتى الآن.

وفي مثل هذا التحول الكبير في الحياة الآرية واجه الكهنة ظروفًا جديدة ومطالب عصرية تتطلب المحافظة على التفوق الآري المتغلب الحاكم، ووظيفة الكهنة المستقلة المستبدة الطاغية على جميع الطبقات والعناصر. ولذلك قسموا سكان البلاد إلى جماعات وفق الوظائف والمهن، وأعطوا الأولية للجنس الآري الأبيض، وقرروا المكانة السفلى للسكان الأصليين السود. فقد خصصوا للآريين الوظائف السامية تلك التي أصبحت من سماتهم البارزة فيما بعد وخصائصهم الجنسية، وأعطتهم الدرجات في المجتمع الآري، كما وضعت قوانين ثابتة لهذه الطبقات وقالوا أنها خلق فطري وربطوها بالنصوص المقدسة بحيث أصبح من المستحيل الحيدة والتنصل عن هذه القوانين واللوائح وقد أطلقوا عليها"قوانين مانو"التي قسمت المجتمع الهندوكي وفق الترتيب سالف الذكر.

وعلى هذه الأسس التي وضعتها الشريعة الهندوكية قامت الحياة الاجتماعية للهندوس .. وظلت كذلك عبر القرون تزداد كل يوم شدة وتمكينًا وتزداد كل طبقة إيمانًا بموقفها من غيرها خاصة طبقة الشودرا (المنبوذين) الذين كانوا ـ إلى عهد قريب ـ أشد إيمانًا بذلتهم من غيرهم فهم لا يسكنون مع بقية الأهالي، ولكنهم يتخذون لهم مساكن في أطراف البلد في غاية الحقارة والضعة، ولا يحاولون أن يرتفعوا عن وضعهم، و بعد أن انتشر التعليم حيث استطاعت جماعة قليلة منهم التعلم ومن هنا بدءوا يشعرون بمكانهم المهين في المجتمع فثاروا على الوضع الذي هم فيه ورفعوا أصواتهم مطالبين بتغييره أو الخروج من الديانة الهندوكية التي تحكم عليهم هذا الحكم القاسي.

وحينئذ بدأ الناس حولهم يبحثون ويفكرون في الطرق التي ينبغي اتخاذها لإرضائهم لكي يظلوا في الديانة الهندوكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت