فإذا عقدت بين الأمم - ومنهم المسلمون - اتفاقات ومعاهدات على عدم الاسترقاق، جاز ذلك، لأن الاسترقاق ليس واجبا في الإسلام.
وهكذا فقد جمع الإسلام بين وجود المشروعية للضرورة، و أباح رفع المشروعية إن انتفت الضرورة.
والدليل على أن الاسترقاق جائز وليس بواجب في الإسلام، قوله تعالى:
(فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم) محمد: 4
فأمام المسلمين هنا مخير بعد الإثخان في العدو - بين أربعة أمور، وهي:
الأمر الأول: قتل الأسير إذا كانت المصلحة في قتله.
الأمر الثاني المن عليه كذلك، أي إطلاق سراحه، بدون أخذ فداء منه.
الأمر الثالث: إطلاق سراحه بفداء، من مال يؤديه للمسلمين، أو عمل يقوم به، أو إطلاق سراح أسرى للمسلمين عند أعدائهم.
الأمر الرابع: أن يسترقه حتى يمكن مبادلته فيما بعد بأسرى المسلمين.
وقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبرا (القتل صبرا: أن يقتل المرء وهو مقدور عليه كأن يكون أسيرا أو موثقا لا في حرب أو مبارزة)
وفادى أسرى بدر بالمال بأربعةِ آلاف إلى أربعمائةٍ، وفادى بعضَهم على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة، ومنَّ على أبى عَزَّةَ الشاعر يومَ بدر.
وقال في أسارى بدر: (لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِىٍّ حَيًَّا، ثُمَّ كَلَّمَنِى في هُؤلاَء النَّتْنى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ) .
وفدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.
وفدى رجالًا من المسلمين بامرأة من السبى، استوهبها مِن سلمة بن الأكوع.
وأطَلَق يوم فتح مكة جماعةً مِن قريش، فكان يقال لهم: الطُّلقاء.
وأخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناسا من المسلمين.
ومن على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده.
وقد من أيضا على سبى هوازن.
وفي فتح مكة هبط عليه صلى الله عليه وسلم بعض من أهلها فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن عليهم.
يقول د/ شوقي أبو خليل في كتابه ـ"الإسقاط في مناهج المستشرقين والمبشرين"
(فقد جاء الإسلام وللرق وسائل أو مداخل كثيرة، كالبيع، والمقامرة، والنهب، والسطو، ووفاء الدين، والحروب، والقرصنة .. فألغى جميع هذه المداخل ولم يبق فيها إلا مدخلًا واحدا، هو الجهاد القتالي في سبيل الله، فلا استرقاق إلا في حرب شرعية مراعى فيها أن تكون بمبرر شرعي، فالذي أباحه الإسلام من الرق، مباح في أمم الحضارة التي تعاهدت على منع الرقيق منذ القرن الثامن عشر إلى الآن .. لأن هذه الأمم التي اتفقت على معاهدات الرق، تبيح الأسر واستبقاء الأسرى، أو التعويض عنهم بالفداء والغرامة)
ويقول العقاد: