فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 105

الفرات). والعنصر الجغرافي مهم جدًا في فكره، كما هو الحال في الفكر الصهيوني بشكل عام. فالأرض ـ كما يقول ـ هي الوعاء الذي يضم جماعة من البشر عليهم ان يحيوا فيها حياة متميزة عن حياة غيرهم من الجماعات الإنسانية وان يحققوا رسالتهم القومية والتراثية. والدولة هي الأداة لتحقيق ذلك الغرض ولتمكين الشعب من بلوغ غاياته، فالأمة هي صاحبة الأرض وسيدتها، والناس هم الذين يحددون هوية الأرض وليس العكس، والشخص لا يصبح إسرائيليا لأنه يعيش في ارض إسرائيل ولكنه يصبح إسرائيليا عندما ينتمي إلى شعب إسرائيل ويغدو جزءًا من الأمة الإسرائيلية. و قد اعتمد اليهود الصهاينة سياسة تأديبية للعرب في فلسطين المحتلة انتقاما منهم للانتفاضات التاريخية التي يقومون بها احتجاجا على سياسة التعسفات و القتل الجماعي الذي يتعرضون له كما تقترن سياسة الحصار والتجويع هذه عادةً بتهديدات إرهابية من كبار المسئولين الإسرائيليين بإعادة اقتحام مناطق الحكم الذاتي لشن (عمليات تأديب) داخلها. وبحجة الأمن الإسرائيلي أيضا يمتد نشاط إرهاب الدولة إلى الدول العربية وذلك في ظل الترويج لمشروع التعاون الشرق أوسطي. وتظل الاعتبارات المتحكمة في المشروع الصهيوني هي السائدة في مواجهة مقاومة الاحتلال. وتجسد حالة لبنان سطوة هذه الاعتبارات الصهيونية إذ لم يتورع شيمون بيريز (مهندس) الشرق أوسطية عن شن عدوان وحشي على لبنان في مارس وأبريل 1996 وارتكاب مذبحة (قانا) .

لم تغير اتفاقية أوسلو من طبيعة الكيان الصهيوني الاستيطانية الاحلالية فقد استمر مسلسل القمع والمذابح. ونتناول هنا أهم مذبحتين: مذبحة الحرم الابراهيمي ومذبحة قانا (التي ارتكبت في عصر يبريس الليبرالي الرحيم) !! .. و سأتناول مجزرة صبرا وشاتيلا فيما بعد لكونها تأخد بعدا آخر، من حيث التوقيت و توع العملية، واختيار اليد المجرمة.

بعد اتفاقات أوسلو أصبحت مدينة الخليل بالضفة الغربية موضع اهتمام خاص على ضوء أجواء التوتر التي أحاطت بالمستوطنين الإسرائيليين بعد طرح السؤال: هل يجري إخلاء المستوطنات وترحيل المستوطنين فيها في إطار مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وتكمن هذه الأهمية الخاصة في أن مدينة الخليل تعد مركزًا لبعض المتطرفين من المستوطنين نظرًا لأهميتها الدينية. وان جاز القول فالخليل ثاني مدينة مقدسة في أرض فلسطين بعد القدس الشريف.

وفجر يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان الموافق 25 فبراير عام 1994 سمحت القوات الإسرائيلية التي تقوم على حراسة الحرم الإبراهيمي بدخول المستوطن اليهودي المعروف بتطرفه باروخ جولدشتاين الى الحرم الشريف وهو يحمل بندقيته الآلية وعددًا من خزائن الذخيرة المجهزة. وعلى الفور شرع جولدشتاين في حصد المصلين داخل المسجد. وأسفرت المذبة عن استشهاد 60 فلسطينيًا فضلًا عن إصابة عشرات آخرين بجراح، وذلك قبل ان يتمكن من تبقى على قيد الحياة من السيطرة عليه وقتله.

ولقد تردد أن أكثر من مسلح إسرائيلي شارك في المذبحة إلا ان الرواية التي سادت تذهب إلى انفراد جولدشتاين باطلاق النار داخل الحرم الإبراهيمي. ومع ذلك فان تعامل الجنود الإسرائيليين والمستوطنين المسلحين مع ردود الفعل التلقائية الفورية إزاء المذبحة التي تمثلت في المظاهرات الفلسطينية اتسمت باستخدام الرصاص الحي بشكل مكثف، وفي غضون أقل من 24 ساعة على المذبحة سقط 53 شهيدًا فلسطينيًا أيضا في مناطق متفرقة ومنها الخليل نفسها.

وسارعت الحكومة الإسرائيلية الى إدانة المذبحة معلنة تمسكها بعملية السلام مع الفلسطينيين. كما سعت إلى حصر مسئوليتها في شخص واحد هو جولدشتاين واكتفت باعتقال عدد محدود من رموز جماعتي كاخ وكاهانا ممن أعلنوا استحسانهم جريمة جولدشتاين، وأصدرت قرارًا بحظر نشاط المنظمتين الفج. ولكن من الواضح ان كل هذه الإجراءات اجراءات شكلية ليس لها مضمون حقيقي. فالنخبة الاسرائيلية، وضمنها حكومة ائتلاف العمل، تجاهلت عن عمد المساس بأوضاع المستوطنين ومن ذلك نزع سلاحهم.

ولا شك في ان مستوطنة كريات أربع في قلب الخليل (وهي المستوطنة التي جاء منها جولدشتاين) تمثل حالة نموذجية سافرة لخطورة إرهاب المستوطنين الذين ظلوا يحتفظون بأسلحتهم، بل حرصت حكومة العمل، ومن بعدها حكومة الليكود على الاستمرار في تغذية أحلامهم الاستيطانية بالبقاء في الخليل ودغدغة هواجسهم الأمنية بالاستمرار في تسليحهم في مواجهة الفلسطينيين العزل. بل تعمدت حكومتا العمل والليكود كلتاهما تأجيل إعادة الانتشار المقرر بمقتضى الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية كي تضمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت