-و احسن ما يمكن فحم هؤلاء المرتدون بالحجة القاطعة، هو ما جاء في الاية الكريمة: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} الأنعام 137. وكما زيَّن الشيطان للمشركين أن يجعلوا لله تعالى من الحرث والأنعام نصيبًا, ولشركائهم نصيبًا, زيَّنت الشياطين لكثير من المشركين قَتْلَ أولادهم خشية الفقر; ليوقعوا هؤلاء الآباء في الهلاك بقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق, وليخلطوا عليهم دينهم فيلتبس, فيضلوا ويهلكوا, ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه, ولكنه قدَّر ذلك لعلمه بسوء حالهم ومآلهم, فاتركهم -أيها الرسول- وشأنهم فيما يفترون من كذب, فسيحكم الله بينك وبينهم. و هو ما نقوله نحن ايضا، لأنهم فرقوا دينهم و كانوا شيعا، ومن هنا انبثقت لديهم فكرة الاديان السماوية. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} الأنعام 159. ما ذا يريدون هؤلاء الكفرة اللئام، {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} آل عمران 83. ما هي عاقبة المرتدين؟ لكن حذاري من يوم لا ينفع فيه لا مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم، حذاري من غضب الله، و حذاري من مكر الله. لقد اتخدوا دينهم لعبا وهو ما قال فيهم ربهم
{الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} الأعراف 51.
الدِّيْن لغةً المُلك والحُكم والتدبير، من دانَهُ دينا أي مَلَكَهُ وحكمه وساسه ودبَّره، وقهره، وحاسبه، وجازاه وكافأه. من ذلك: {مالك يوم الدين} الفاتحة: 4. أي يوم الحسَاب والجزاء. وفي الحديث: (الكيِّس من دان نفسه) أي حكمها وضبطها. ودان له أي أطاعه وخضع له، فالدين هنا هو الخضوع والطاعة. ودان بالشيء أي اتخذه دينًا ومذهبًا، فالدين هنا هو المذهب والعقيدة.
أما في الاصطلاح كما عرَّفه الإسلاميون بأنه: وضع إلهي سايق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل.
فالدين بمقتضى هذا الاصطلاح هو وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات. ومن أشهر تعريفات الدين عند الغربيين ماقاله الفيلسوف كانْتْ في كتابه الدين في حدود العقل ¸الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية·.
وهذه المعاني والتعريفات حصرت الدين في نطاق الأديان الصحيحة المستندة إلى الوحي السماوي مثل الإسلام ومثل اليهودية والنصرانية قبل تحريفهما، لكن هناك ديانات أخرى كالديانة الطبيعية التي تستند إلى العقل فقط والديانة الخرافية التي تستند إلى الخيالات والأوهام، وهي وإن كانت تخرج في جوهرها عن معنى الدين كما حددته التعريفات السابقة ـ لا سيما تلك التي تتخذ الأوثان والحيوان والكواكب أو الجن آلهة ـ إلا أن القرآن الكريم سمَّاها دينًا. يقول الله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} آل عمران: 85. ويقول جل شأنه: {لكم دينكم ولي دين} الكافرون: 6. والدين على هذا منهاج حياة وطريق وسلوك.
كان للدين وما يزال أثر كبير في حياة الأمم والشعوب. فقد كان للإسلام واليهودية وبدرجة أكبر للنصرانية، الأثر الكبير في تكوين الثقافة الغربية، كما أدت هذه الأديان الثلاثة، وخاصة الإسلام دورًا أساسيًا في نمو ثقافات الشرق الأوسط. بينما نجد أن ثقافة آسيا أسهمت في تشكيلها البوذية والكونفوشية والهندوسية والشنتو والطاوية.
أصل الدين
وفقًا للتصور الإسلامي، فإن بداية الدين ترتبط ببداية الحياة البشرية، فمنذ أن خلق الله آدم، بَّين له الطريق إلى معرفته، وجعل من ذريته رسلًا وأنبياء يدعون الناس إلى الهدى بعد الضلال، وإلى الرشد بعد