وأخيرًا فالمقصد قد يكون أصليًا لكونه مقصودًا بالأمر والنهي الإبتدائي التصريحي وفسر الشاطبي الابتدائي بأنه احتراز من الأمر والنهي الذي قصد به غيره، والتصريحي احترز به من الضمني المفهوم من كون الأمر بالشيء نهي عن ضده والعكس.
وقد يكون المقصد تابعًا لكونه شرطًا أو سببًا كالوضوء للصلاة أو لكونه من باب ما لا يتم الواجب إلا به أو لكونه ثانوي الرتبة في حكمة التشريع كالمال والجمال والدين أو لكونه وسيلة.
وقد يكون وسيلة لأنه لازم للأصلي لزومًا شرعيًا أو عاديًا.
أما المقاصدُ الجزئيةُ فهيَ: مقصدُ الشارعِ فِي كلِّ حكمٍ علَى حدةٍ كقصدِه لفعلِ الصلاةِ بأمرِ {وَأَقِيمُوا الصَّلواةَ} [1]
وفي رأينا - والعلمُ للهِ جلَّ وتعالى والحكمةُ البالغةُ- أنَّ هذِه المقاصدَ هيَ مقاصدُ تشريعيةٍ يترتَّبُ عليها استنباطُ الأحكامِ وترتيبُ الأدلَّة ودرجاتُ الطلبِ.
وهناكَ مقاصدُ للبارِي جلَّ وعَلا مِن الخلقِ والأمرِ لا تُحصَى ولا تُستقصَى، فمنها:
المقاصدُ القدريَّةُ أوِ الكونية، وهيَ أعلَى مِن مقاصدِ التشريعِ، كخلقِ الخلقِ لتحقيقِ مقتضَى القبضتينِ كما جاءَ فِي الحديثِ: «مرض رجلٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ -، فدخلَ عليهِ أصحابُه يعودونَه فبكَى، فقيلَ له: ما يبكيكَ يَا أبَا عبدِ اللهِ ألم يقلْ لكَ رسولُ اللهِ: خذْ مِن شاربِك ثمَّ أقرَّه حتَّى تلقاني؟ قال: بلى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ الله - يَقُولُ: إِنَّ اللهَ تَبَاركَ وتَعالَى قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمينِهِ فَقَالَ: هَذِه لهذِه ولا أبالِي، وقبضَ قبضةً أخرَى يعنِى بيدِه الأخرَى، فقال: هذه لهذه ولا أبالي، فلا
(1) - سورة البقرة، الآية 43