قلت: وهذا يعني أن بعض المعاملات يمكن أن تنزل إلى مرتبة التحسيني فتجوز للحاجة.
قال ابن عاصم: ونجس صفقته محظورة ... ورخصوا في الزبل للضرورة
ولنا وقفة مع مقصد حفظ المال:
إن الحفظ يقع في المرتبة الخامسة من الضروريات ولكن أكثر الأصوليين جعلوه خاصًا بالحفظ المقابل للاعتداء عليه انطلاقًا من الرؤية القائمة على انبناء الضروري على ترتيب الحد عليه. كما يشي إليه الشاطبي: المفهوم من وضع الشارع أن الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عظم المصلحة أو المفسدة الناشئة منها. وقد علم من الشريعة أن أعظم المصالح جريان الأمور الضرورية الخمسة المعتبرة في كل ملة وأن أعظم المفاسد ما يكر بالإخلال عليها.
والدليل على ذلك ما جاء من الوعيد على الإخلال بها كما في الكفر وقتل النفس وما يرجع إليه والزنى والسرقة وشرب الخمر وما يرجع إلى ذلك مما وضع له حد أو وعيد بخلاف ما كان راجعًا إلى حاجي أو تكميلي، فإنه لم يختص بوعيد في نفسه، ولا بحد معلوم يخصه. فإن كان كذلك فهو راجع إلى أمر ضروري. والاستقراء يبين ذلك، فلا حاجة إلى بسط الدليل عليه.
إلا أن المصالح والمفاسد ضربان: أحدهما ما به صلاح العالم أو فساده كإحياء النفس في المصالح وقتلها في المفاسد، والثاني ما به كمال ذلك الصلاح أو ذلك الفساد. وهذا الثاني ليس في رتبة واحدة، بل هو على مراتب. وكذلك الأول على مراتب أيضا. فإنا إذا نظرنا إلى الأول وجدنا الدين أعظم الأشياء ولذلك يهمل في جانبه النفس والمال وغيرهما. ثم النفس ولذلك يهمل في جانبها اعتبار قوام النسل والعقل والمال فيجوز عند طائفة من العلماء لمن أكره بالقتل على الزنى أن يقي نفسه به وللمرأة إذا اضطرت وخافت الموت ولم تجد من يطعمها إلا ببذل بضعها جاز لها ذلك. وهكذا سائرها. وإذا نظرنا إلى بيع الغرر مثلًا وجدنا