المفسدة في العمل به على مراتب: فليس مفسدة بيع حبل الحبلة كمفسدة بيع الجنين في بطن أمه الحاضرة الآن، ولا بيع الجنين كبيع الغائب على الصفة وهو ممكن الرؤية من غير مشقة. وكذلك المصالح في التوقي عن هذه الأمور. فعلى هذا إن كانت الطاعة والمخالفة تنتج من المصالح أو المفاسد أمرًا كليًا ضروريًا كانت الطاعة لاحقة بأركان الدين، والمعصية كبيرة من كبائر الذنوب. وإن لم تنتج إلا أمرًا جزئيًا فطاعة لاحقة بالنوافل واللواحق الفضيلة. والمعصية صغيرة من الصغائر وليست الكبيرة في نفسها مع كل ما يعد كبيرة على وزن واحد ولا كل ركن مع ما يعد ركنًا على وزان واحد أيضا كما أن الجزئيات في الطاعة والمخالفة ليست على وزان واحد بل لكل منها مرتبة تليق بها [1] .
وقد اضطربت أقوال العلماء في هذه المسألة فأحيانا يعللون الكليات الخمس بأن الشارع وضع لها الحدود وأحيانا يعللونها بكونها علمت من الدين بالضرورة كما أشار إليه الشوكاني.
وهنا تدخل الواجبات والجائزات والمنهيات التي علمت من الدين ضرورة.
وأحيانا لأنها ضرورة لمصالح العباد وانتظام المجتمع كما أشار إليه الطوفي وغيره.
وهو ضروري لقوة المصلحة المستجلبة كما يشير العز بن عبدالسلام: طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها إذ لا تفاوت بين طلب وطلب، وإنما التفاوت بين المطلوبات من جلب المصالح ودرء المفاسد" [2] ."
وهذا يجعل الأمر غير محصور والمجال غير مغلق أمام ما قد يظهر أنه ضرورة حاقة يضطر الناس إليها مما جعل بعض المقاصديين المعاصرين يضيفون الحرية والمساواة وغيرهما.
(1) - الشاطبي ... الموافقات 2/ 298 - 300 طبعة دراز
(2) - العز ابن عبد السلام القواعد 1/ 23