فبكمال مراعاة الإنسان لقيمها ومقاصدها ورسومها يحصل السعادتين ويفوز بالحسنيين (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) سورة النحل.
يقول الشاطبي: ومعلوم أنَّ الشَّريعةَ وضعت لمصالح الخلق بإطلاق حسبما تبيَّن في موضعه، فكلُّ ما شُرعَ لجَلْب مصلحةٍ أو دَفْع مفسدة؛ فغيرُ مقصودٍ فيه ما يُناقض ذلك، وإنْ كان واقعًا في الوجود؛ فبالقدرة القديمة وعن الإرادة القديمة، لا يعزب عن علم الله وقدرتِه وإرادتِه شيءٌ من ذلك كله في الأرض ولا في السماء، وحكمُ التشريع أمرٌ آخر، له نظرٌ وترتيبٌ آخر على حسب ما وضعه، والأمرُ والنهي لا يستلزمان إرادة الوقوع، أو عدم الوقوع، وإنما هذا قولُ المعتزلة، وبطلانُه مذكور في علم الكلام؛ فالقصد التَّشريعي شيء، والقصد الخَلْقي شيء آخر، لا ملازمة بينهما. [1]
إن موقف الشريعة الفريد من المال ينسجم مع الحقيقة التي عليها يقوم بناء هذا الدين من أن الكون كله ملك لله جل وعلا فليس المال فقط وإنما الإنسان أيضا في كل تقلباته وتصرفاته وسكناته وحركاته {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}
بقدر ما يخضع الإنسان كيانه لهذه الحقيقة بقدر ما يكون صلاحه وتمام النعمة عليه ورضاه {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى}
إن هذا الموقف يجعل الإنسان مستخلفًا وفرعًا وليس أصلًا في الملكية ولهذا فإن حريته في التصرف مضبوطة بالضوابط التي يضعها المالك الأصلي.
ويجعل للمال وظيفة في هذه الدنيا على الوكيل أن يحصره فيها.
إن هذا الموقف يوضحه التشريع الإسلامي والقرآن الكريم في أشكال مختلفة إيجابًا وسلبًا وجودًا وعدمًا فيأمر باقتنائه: يضربون في الأرض يبتغون من
(1) - الشاطبي ... الموافقات ... 2/ 49