الآليّات والموازين الكفيلة بجعلنا أكثر استفادة من التجارب العالميّة بدلا من أن نعتمد عليه دون وعي بأبعادها، ومنطلقاتها، وأهدافها، وبرامجها، ومما لا شك فيه أن هذا الأمر يحتاج إلى برنامج معرفي متكامل مبني على التجربة، وذلك من خلال تدارس التعامل الإيجابي مع التجارب العالميّة لأسلافنا السابقين.
إن عمليّة بناء الموقف من التجارب العالميّة على تنوّعها تحتاج إلى طرح في مختلف الفترات والعهود بين أوساط المفكّرين، وقد أصبحنا في واقع اليوم في وضع اضطراري للاستمرار في إعادة طرح هذا الموضوع المصيري بعد مرور حوالي مائتي سنة على بدء ما يعرف بالنهضة الحديثة في ديار الإسلام، ومرور أكثر من ثلاثة قرون ونصف على بدء المواجهة المصيريّة مع قوى الحضارة الحديثة في ساحات الصدام العسكري، والسياسي، والاقتصادي دون التوصّل إلى إجابات فكريّة حاسمة، ولا إلى ما يقرب من شبه إجماع إسلامي بهذا الشأن، وهذا بلا شك يمثّل حالة مأساويّة لفكرنا الحديث، ودليلا آخر من دلائل انعدام الحسم، بل والضياع الذي تعانيه المجتمعات العربيّة الإسلاميّة ليس في مواجهتها المصيريّة مع قوى الحضارة الحديثة فحسب، وإنما فيما يتعلّق بتحديد ذاتها، وهويّتها، وكيانها في الصميم؛ وذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يحدّد موقفه من غيره قبل أن يحدّد موقفه من نفسه، فيسأل نفسه ... من هو؟، وماذا يريد؟، ومن يكون؟، وبدون هذا الحسم للهويّة الذاتيّة لا يمكن تحديد أي موقف فعّال لا من الحضارة الحديثة، ولا من أي قضيّة من قضايا المصير، والتقدّم، والحياة الكريمة، فنقد الذات يجب أن يأتي قبل نقد الآخرين، ومعرفة الذات لا بد أن تكون قبل معرفة غيرها من المعايير الحقيقيّة لجدّية الحياة.
ولا شك أننا ونحن نتصدّى لقضيّة عمليّة بناء الموقف الإيجابي من التجارب العالميّة بحاجة إلى تحديد واضح ومعلوم لحقيقة هذه التجارب، كما أن أكبر سمة لهذه التجارب هو أنّها معقّدة ومتشابكة لا يمكن فهمها إلا من خلال رؤية أبعادها المختلفة، وقبل هذا لا بد أن نتدارس موقفنا تجاه هذه التجارب إن كان منهجا اعتماديّا أو منهجا إفاديّا.
إن استمرارنا في تكرار المقولة المعهودة، وربّما الصحيحة في جانب منها بأن الحضارة الغربيّة حضارة مادّية، ومنحلّة، ومنحطّة، وآيلة للسقوط لن يغيّر في الحقيقة القائمة والمفروضة في واقع العالم، ولا بد علينا أن نفهم أن قوّة انتشار الحضارة التي وصفناها بهذا