الوصف بأنّها لا بد أن تكون وراءها عناصر قوّة حقيقيّة في الحضارة، والمجتمع، والإنسان، وليس في التكنولوجيا فقط؛ لأن التكنولوجيا لا تنمو وتتطور في مجتمع هش، وحضارة هشّة.
إن قانون المواجهة الحضاريّة ومعادلتها السليمة لا بد فيها من الثقة بالنفس في ساحة المواجهة الاستراتيجيّة ضد الخصم، وفي الوقت ذاته تنظر في معطيات الحضارة الغازية فتفهم، وتنقد، وتغربل، وتقرر قبول ما تقبل، ورفض ما ترفض، وكلّما زادت ثقتها بنفسها في ساحة المعركة كلما زادت قدرتها على الاستيعاب الحضاري دون عقدة نقص، وهذا ما لمسناه في تجربة اليابان في تطوّرها، وما سبق أن بيّناه في المبحث الأول من دور لمفكّري الإسلام في الاستثمار والإفادة من الحضارة الأخرى.
ولا بد علينا في عمليّة بناء الموقف من التجارب العالميّة حتى نكوّن موقفا أكثر إيجابيّة تجاه التجارب العالميّة على مختلف أنواعها أن نعلم بأنّه من الضروري أن نميّز بين الحضارة العالميّة الحديثة ومظاهر الحضارة الأوروبيّة التي هي إحدى صيغ الحضارة العالميّة الحديثة، ومن هذا المنطلق لا بد أن تكون لنا رؤية متكاملة من هذه التجارب حتى نستوعبها ونكون أكثر استفادة منها [1] . (11)
ولا شك أن الفكر الإسلامي فكر متفتّح نتيجة لحث الإسلام على هذا الانفتاح، وقد انطلق هذا المبدأ لأننا أصحاب رسالة عالميّة جاءت لكل الناس في كل أنحاء الأرض، كما أن أسباب الانفتاح كثيرة ووفيرة ولكن علينا أن نتوجّه بها الوجهة الصحيحة والإيجابيّة، وواقعنا بما ساد فيه من تكنولوجيا اتصال وثورة إلكترونية سهّل من عمليّة توصيل الفكرة، ونشر المبدأ [2] . (12)
وإذا كان الفكر الإسلامي فكرا متفتّحا على الثقافات المختلفة، والتجارب العالميّة لكي يستفيد منها وينمّيها ويطوّرها إلا أن هذا الانفتاح لا بد أن يكون على أسس صحيحة تكفل أن يكون انفتاحا إيجابيّا ولا تأتي من وراءه مضاعفات.
(1) د. الأنصاري - محمد جابر، رؤية قرآنية للمتغيرات الدوليّة، وشواغل الفكر بين الإسلام والعصر، مع رصد بواكير لهجة الشرق - أوسطيّة ضد الهويّة العربيّة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة العربيّة الثانية، 1999 م، ص 155.
(2) د. القرضاوي - يوسف، أمتنا بين قرنين، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2000 م، دار الشروق، القاهرة - جمهورية مصر العربيّة، ص 243.