فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 178

تماسك بلا انغلاق، وانفتاح بلا ذوبان [1] . (13)

إن الأطر التي يجب أن تحكم ما نأخذ وما نعطي إضافة إلى ما تقدّم من عمليّة بناء الموقف، وضرورة الانفتاح الإيجابي لا بد أن تقوم على أن تكون الألويّة في الأخذ والاستفادة من تجارب الآخرين للنتائج التي توصّل إليها هؤلاء وليس المناهج؛ والأهم من هذا هو أن تتمثّل عملية الإفادة من تجارب الآخرين في ضرورة انتقاء ما هو عام وإنساني من تجاربهم الثقافيّة، ورفض كل ما هو ذاتي يخصّ الآخر دون غيره؛ وذلك لارتباطه النفسي بتجاربهم الذاتيّة، ولن يتأتّى ذلك إلا من خلال إدراك متكامل لمقتضيات التعامل الفكري مع الآخر، ولا بد من دعم ذلك بالحرص على التمايز الثقافي لا الذوبان، وتقوية ذلك باليقظة تجاه فكر الآخر، وثقافته، وتجربته [2] . (14)

وأرى بأن العالم الإسلامي اليوم مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة الانفتاح على آفاق العصر على امتداداتها، ولكن قبل ذلك لا بد عليه أن يعيد عمليّة البناء والتأسيس لفكره ومنهجه كي يستطيع أن يبلور تجربته أمام هذه التجارب العالميّة، وليضع في حسبانه أن الإفادة من هذه التجارب لا تعني بأي حال من الأحوال إحلال نظام مكان نظامه، فهناك مسلّمات شرعيّة لا تحل محلّها أي مسلّمات، وما نراه في واقع اليوم من إحلال للديموقراطيّة وتفاخر بها محل نظام الشورى الشرعي المتكامل الذي أهمله المسلمون منذ عهد بعيد لا يعني وجود قصور في النظام لدى من يستعين بنظام الآخر، وحاشا الإسلام أن يكون به أدنى قصور، فهو منهج ربّاني متكامل ومدرك لكل الأبعاد المنهجيّة للإنسان، ومن هذا المنطلق لا نخالف على سبيل الإطلاق في الإفادة من التجارب العالميّة المادّية، إلا أن لدينا تحفّظا بسيطا يتمثّل في رفض هذه التجارب إذا كان لها تأثير على المبادئ، والتعاليم، والأسس الإسلاميّة.

أما بالنسبة للتجارب المعنويّة، والفكريّة، والأيديولوجيّة فلا بد من الاستغناء عنها بما حواه المنهج الإسلامي من دعائم فيها ما يقوّم، ويوجّه، وينمّي المجتمع المسلم وينهض به

(1) د. القرضاوي - يوسف، ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، مرجع سبق ذكره، ص 71.

(2) د. محمد رضا محرم في بحثه الذي تناول فيه الاستراتيجيّة المثلى نحو موقف مستنير من الآخر، مرجع سبق ذكره، ص 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت