أما إذا انتقلنا إلى رواية (رجل جاء ... وذهب) لغازي بن عبد الرحمن القصيبي (2002 م) ، فهي رواية ذات السرد الذاتي، والمتكلم الذاتي، حيث تهيمن الرؤية"مع"أو الرؤية المصاحبة، فضلا عن وجود ضمير المتكلم والمؤشرات الزمانية والمكانية الدالة على حضور السارد داخل القصة قولا وتزمينا وتفضية. مما يعني هذا أن هذه الرواية ترتكن إلى خطاب التذويت، والسيرة، والاعتراف، والبوح، والتصريح، والاسترسال، والتداعي الشعوري واللاشعوري. بيد أن الساردة، في هذه الرواية، لا تحيل على الكاتب الخارجي الملموس (غازي عبد الرحمن القصيبي) ، بل تحيل على مؤلفة أنثى أو كاتبة نسوية، وهذه مفارقة رمزية استثمرها الكاتب للهروب من المراقبة والنقد والمحاسبة، ولاسيما أن هذه الرواية صريحة وجريئة في نقدها؛ لكونها تدين بشدة الأغنياء الخليجيين النفطيين، وتتهمهم بالفساد والمنكر، واستغلال فقر الآخرين، كما يتضح ذلك جليا في روايات عبد الرحمن منيف التي تصب شرارات غضبها على حكام الجزيرة المستبدين، وخاصة في رواية (شرق المتوسط) [1] .
ومن الشواهد النصية الدالة على اندماج الساردة في القصة والحكاية قولا وتزمينا وتفضية نذكر النص التالي:"يعقوب العريان يرفض أن يتركني. يرفض أن ينهي التقمص. من لي بطارد الشياطين؟ يرفض أن يتخلى عني، دقيقة واحدة. وفرص اللقاء تتضاءل مع كل يوم يمر. وعندما قررنا، منصف وأنا، أن نترك الفندق ونفتح متجرا كبيرا في قلب العاصمة، شعرت بأن فرص اللقاء ستنعدم. كان أملي الوحيد أن يعود إلى الفندق."
(1) - عبد الرحمن منيف: شرق المتوسط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981 م.