لا نور لا ظلمة
نستنتج، مما سبق ذكره، أن المقاربة القرائنية هي التي تدرس الخطاب الشعري، في ضوء المعينات التلفظية، والقرائن الإشارية، والسياقات الزمانية والمكانية. ويعني هذا أن القصيدة لا يمكن فهم معناها، وتمثل سياقها الخارجي والتداولي، إلا بالتركيز على عمليات التلفظ القائمة على أطراف التواصل والسياق الفضائي. و قد تبين لنا، بكل وضوح، أن هذه المقاربة القرائنية واللغوية تسعفنا كثيرا في تحديد نظام التواصل، ومعرفة سياقه التداولي الخارجي. بالإضافة إلى التمييز بين ماهو ذاتي وماهو موضوعي، ومعرفة خاصية الاندماج واللااندماج على المستوى السيميائي، وتبيان مختلف العوامل التركيبية التي تتحكم في تشكيل البنية الدلالية الخطابية، مع استخلاص البنية التوليدية المنطقية التي تكون سببا في توليد النص الشعري إن تفكيكا وتركيبا، وإن سطحا وعمقا.
ومن جهة أخرى، فقد تبين لنا - مما سبق ذكره- أن الشاعر أبا القاسم الشابي كان غارقا في مشاكل مجتمعه إلى أخمص قدميه، حتى في قصائده الذاتية والرومانسية. وقد أثبت لنا الدليل اللساني والتلفظي والسياقي، بكل قرائنه ومعيناته ومؤشراته التداولية، مدى اندماج الشاعر في واقعه الموضوعي ذاتا، وزمانا، ومكانا، وسياقا. وأكد لنا أيضا مدى انصهاره في مجتمعه انخراطا والتزاما وتجذيرا. ومن هنا، لم يكن أبو القاسم الشابي شاعرا سلبيا منعزلا، أو كائنا ذاتيا ضعيفا مقهورا، يتلذذ بالهروب من الواقع المنخور إلى الطبيعة الصامتة والصائتة، بغية التغني بعالم الغاب المثالي، والاتحاد به حلولا ووصالا