أصناف العذاب ما الله به عليم. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمّار وأمه سميّة وصهيب وبلال والمقداد، فأمّا رسول الله فمنعه الله بعمه وأمّا أبو بكر، فمنعه الله بقومه وأما سائرهم: فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم أحد إلاّ واتاهم على ما أرادوا إلاّ بلال، فإنّه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد، أحد [1] ولم يَسلَم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش حين جهر بدعوة التوحيد وتحداهم بالصلاة والطواف حول الكعبة متى ما وجدوا فرصة، ومن ذلك ما رواه أبو يعلى في مسنده عن أسماء بنت أبي بكر، أنّهم قالوا لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعدوا في المسجد يتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقول في آلهتهم، فبينا هم كذلك، إذ أقبل رسول الله فقاموا إليه بأجمعهم، فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقيل: أدرك صاحبك: فخرج من عندنا وإن له لغدائر [2] أربعًا، وهو يقول: ويلكم? {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} 28/ غافر? فَلَهُوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر، قالت: فرجع إلينا أبو بكر، فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلاّ جاء معه وهو يقول: (( تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) ). قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) .} العنكبوت ويمرّ النّبي صلى الله عليه وسلم بآل ياسر رضي الله عنهم وهم يُعذبون فيواسيهم ويبشرهم قائلا:
«صَبْرًا آَلَ يَاسِرٍ فَإنَّ مَوْعِدَكُمْ الجَنَّةُ» . [3]
فأستشهد ياسر رضي الله عنه في العذاب، وكانت زوجه سميّة أول شهيدة في الإسلام وشددوا العذاب على عمّار، فكان ممن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فنزل فيه قوله تعالى:
{إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} . 106/ النحل [4]
(1) - صحيح ابن حبان، سنن ابن ماجة، مسند الإمام أحمد، مُصنف ابن أبي شيبة، مستدرك الحاكم و (حسّنه) الألباني والأرنؤوط.
(2) - الغدائر: الضفائر. (لسان العرب) لابن منظور.
(3) - سيرة ابن هشام، السيرة النبوية لابن كثير، الروض الأنف للسهيلي و (صححه) الألباني في فقه السيرة للغزالي.
(4) - جامع البيان للإمام الطبري، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ومصنف ابن أبي شيبة، وقد روى العَوفِيّ عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمَّار بن ياسر رضي الله عنه (تفسير الحافظ ابن كثير) .