فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أوّل داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال: «هَلُمّ إلَيّ ثَوْبًا» فأتى به فأخذ الرّكن فوضعه فيه بيده ثم قال: «لِتَأْخُذَ كُلّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنْ الثّوْبِ ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا» ففعلوا حتى إذا بلغُوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بني عليه. وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين.
نُور نُبوّته صلى الله عليه وسلم: ثم حبب الله إليه الخلوة والتعبّد لربّه وكان يخلو"بغار حراء"يتعبّد فيه اللّيالي ذوات العدد وبغّضت إليه الأوثان ودين قومه فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك. فلما كمل له أربعون أشرق عليه نور النبوّة وأكرمه الله تعالى برسالته وبعثه إلى خلقه واختصه بكرامته وجعله أمينه بينه وبين عباده، ولا خلاف أن مبعثه صلى الله عليه وسلم، كان يوم الاثنين واختلف في شهر المبعث فقيل لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل هذا قول الأكثرين وقيل بل كان ذلك في رمضان واحتج هؤلاء بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} .185/ البقرة قالوا: أول ما أكرمه الله عزّ وجل أنزل عليه القرآن وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته:
وأتت عليه أربعون فأشرقت = شمس النبوّة منه في رمضان. [1]
عن أبى قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال صلى الله عليه: «فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ» . [2] وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكّةَ كَانَ يُسَلّمُ عَلَيّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنّي لأَعْرِفُهُ ألآنَ» . [3]
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) } .الفتح
كَرامَة بِعثَتِه صلى الله عليه وسلم: بعثه الله على رأس أربعين، وهي سنُّ الكمال. قيل: ولها تبعث الرّسل، وأول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أمر النبوّة الرؤيا، فكان لا يَرى رُؤيا إلا جاءتْ مِثْلَ فَلَقِ الصبُّح
(1) - زاد المعاد للإمام ابن قيم الجوزية.
(2) - صحيح مسلم، مسند الإمام أحمد، سنن أبي داود جامع الأصول لابن الأثير والسنن الكبرى للبيهقي.
(3) - صحيح مسلم، صحيح ابن حبان، سنن الدارمى، مسند الإمام أحمد، الجامع الكبير للسيوطي والمعجم الكبير للطبراني.