كما ذُكر عن عمر الفاروق وأقبل أبو بكر الصديق حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم النّاس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ورسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد حبره، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قبله وقال، بأبي أنت وأمي، طِبْتَ حَيّا وميِّتا [1] أما الموت التي كتب الله عليك فقد دقتها، ثم لن يصيبك بعدها موتة أبدا. ثم رد البرد على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وعمر يكلّم النّاس، فقال: على رسلك أنصت، فأبي إلاّ أن يتكلم، فلمّا رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على النّاس، فلمّا سمع النّاس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أيّها النّاس، إنّه من كان يَعبُد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ثم تلا هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) } . آل عمران قال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس قال: .. والله لكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه النّاس كلّهم فما أسمع بشرًا من النّاس إلاّ يتلوها. وقال سعيد بن المسيِّب: أنّ عمر قال: والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد مات. [2] وفي الروض الأنف للسهيلي عن أبي ذؤيب الهذلي قال: قدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت المسجد فوجدته خاليا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبت بابه مرتجًا، وقيل هو مسجى فدخلا به أهله فقلت: أين النّاس؟ فقيل في سقيفة بني ساعدة، صاروا إلى الأنصار، فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالما وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأ منهم، فآويت إلى قريش، وتَكلمَت الأنصَار، فأطًالوا الخِطاب وأكثَرُوا الصَواب وتكلم أبو بكر رضي الله عنه فلِلّه دَرُّه مِن رجُلٍ لا يُطِيل الكَلام ويَعلمُ مواضِع فَصِلِ الخِطَاب والله لقَد تكَلّم بِكلامٍ لا يَسمعُه سَامِع إلاّ انقَادَ لهُ ومَال إليه ثم تَكلّم عُمر رضي الله عنه بَعدهُ دُون كَلامِه ومَد يَده فَبَايَعهُ وبَايعوهُ ورَجع أبُو بَكرٍ ورَجعتُ مَعه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النّاس:
(1) - صحيح البخاري، السنن الكبرى للبيهقي، مجمع الزوائد للهيثمي جامع الأصول لابن الأثير وسيرة ابن هشام.
(2) - صحيح البخارى، مستدرك الحاكم، مصنف عبد الرزاق، دلائل النبوة للبيهقي، جامع الأحاديث السيوطي وسيرة ابن هشام.