الترجمة والنقل من علوم الأوائل؛ فقد استَطاعوا لإتقانهم السريانيَّة واليونانيَّة أنْ ينقلوا إلى اللغة العربيَّة كلَّ ما كان معروفًا في العلوم الفلسفيَّة والعقليَّة عن سائر الأمم المتمدِّنة [1] .
وكانت بغداد مقصدَ العلماء ومركز العلوم العقليَّة؛ بسبب تشجيع الخلفاء، ولكنَّ الوضع تغيَّر بعد أنْ ضَعُفتْ هذه الدولة، واستقلَّت عنها كثيرٌ من الدول، التي بدَأتْ تهتمُّ بالعلم والعلماء إلى أنْ أصبحت تنافس دار الخلافة نفسها في مجال العلم، وكانت الدولة الإخْشيديَّة واحدةً من هذه الدول التي اهتمَّت بالحركة العلميَّة بأنواعها: الدينيَّة والأدبيَّة والعقليَّة [2] .
فقد كان عصرُ الدُّوَل المستقلَّة بمصر: الدولة الطولونيَّة 254 هـ - 292 هـ) والدولة الإخْشيديَّة (323 - 358 هـ) يُمثِّل أهمَّ فترات ازدهار العلوم العقليَّة؛ فقد عاصَرتْ هاتان الدولتان فترات النُّضوج الفكري للدُّوَل الإسلاميَّة؛ فقد شَهِدَ النصف الثاني من القرن الثالث والقرن الرابع الهجريَّين نهضة علميَّة شملت كلَّ الأمصار الإسلاميَّة، حيث استقرَّت العلوم، ونشَأ التمييز بينها، وقطعت حركة الترجمة خُطوات واسعة في طريق التقدُّم، حيث بدَأ العرب يَرتادُون ميادينَ الطب والرياضيَّات والفلسفة، وساعَد على ذلك حالة الاستِقرار السياسي التي شهدَتْها الأمصار الإسلاميَّة [3] .
وقد كانت الإسكندريَّة وما تَزال حتى عصر الدولة الإخْشيديَّة مركزًا للعُلوم العقليَّة رغم تَراجُع العمران البشري عنها وتركيزه في مدينة الفسطاط، ولكن الفسطاط أيضًا قد ضمَّت كثيرًا من العلوم العقليَّة المتأثِّرة في بعض مظاهرها بعُلوم الإسكندريَّة [4] ، ولذلك نقول: إنَّ النهضة في العلوم العقليَّة قد وصَلتْ إلى درجة كبيرة من الازدهار والتقدُّم في عهد الدولة الطولونيَّة، ثم استمرَّت هذه النهضة أيضًا في عهد الدولة
(1) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 600.
(2) ابن إياس، بدائع الزهور، ج 1، ص 176، انظر: أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 91، د. حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 376، د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 601.
(3) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 602، انظر: د. أحمد محمد الحوفي، الطبري، ص 8.
(4) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 595 - 600.