ظلَّت مصر منذ الفتح الإسلامي سنة 20 هـ حتى سنة 254 هـ مجرَّد ولاية تابعة تبعيَّة كاملة للخلافة الإسلاميَّة [1] ،ثم شهدت من (254 - 358 هـ) محاولتين ناجحتين للاستقلال عن الخلافة العباسيَّة؛ قامت إحداهما في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري على يد الوالي التركي أحمد بن طولون الذي أسس الدولة الطولونيَّة (254 - 292 هـ) ، وبعد سُقوطها عادَتْ مصر ولايةً تابعةً للخلافة العباسيَّة، وتَعرَّضَتْ لتهديداتٍ من جانب الفاطميين في بلاد المغرب سنة 297 هـ، وظلَّت الأمور مضطربةً إلى أنْ جاء الوالي التركي محمد بن طغج [2] بن جف الإخْشيدي، وقام بالمحاولة الثانية للاستقلال عن الخلافة، فأسَّس الدولة الإخْشيديَّة (323 - 358 هـ) [3] .
تُنسَب الدولة الإخْشيديَّة إلى مُؤسِّسها محمد بن طغج بن جف الإخْشيد، والإخْشيد هو لقبٌ منَحَه الخليفة العباسي الراضي لمحمد بن طغج سنة 326 هـ، وكان محمد بن طغج قد كتَب إلى الراضي يسأله أنْ يُلقَّب بالإخْشيد، وقال في كتابه:"وقد كنَّى أمير المؤمنين جماعة، ولقَّبهم، فليبشرني بما سألت" [4] ، فاستفسر الراضي عن معنى الإخْشيد، فقيل له: إنَّ تفسيره عبد دعي"ملك الملوك"، فقال الراضي: لا تبخَلْ عليه بهذا، اكتُبوا له بذلك [5] ، وفي ذلك يقول الكندي:"وورد الكتاب بالزيادة في اسم الأمير محمد بن"
(1) د. فتحي عبدالمحسن محمد، الشعر في مصر في ظلِّ الدولتين الطولونية والإخشيدية، ص 21، مكتبة الآداب، بالقاهرة، ط 1، (2000 م) .
(2) تذكُر بعض المراجع القديمة أنَّ طغج معناها: عبدالرحمن، انظر: ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، الجزء الأول من القسم الخاص بمصر، ص 149، مطبعة جامعة فؤاد الأول (1953) .
(3) د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 55، سلسلة تاريخ المصريين رقم 29، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (1989) ، انظر: د. أحمد كامل محمد صالح، مصر الإسلامية منذ الفتح حتى نهاية الدولة الأيوبية، ص 69، دار الثقافة العربية بالقاهرة، (2005 م) .
(4) وقيل إن لفظ"الإخشيد"معناه في لغة إقليم فرغانة"ملك الملوك"، وإنه كان لقلب ملوكهم، كما كان قيصر لقلب ملوك الروم، وكسرى لقب ملوك العجم، وفرعون لقب ملوك مصر، انظر: د. سيدة إسماعيل كاشف، مرجع سابق، ص 56.
(5) ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، ص 173.