النيل إلى تلك المنطقة، وقد حفر هذا الوزير بئرًا لينقل منها الماء إلى السبع السقايات التي أنشأها، وحبسها لجميع المسلمين التي كانت تحيط الحمراء [1] .
لقد مرَّ التاريخ الإسلامي بثلاث مراحل: وقد أُطلِق على المرحلة الأولى منه مرحلة التدوين الأولى، وكان التدوين فيها يتَّسِم بالطابع الشخصي، وقد امتدَّت هذه المرحلة حتى مَطلَع القرن الثاني الهجري، وكان الاهتمام فيها مُتَّجِهًا نحو السِّيرة النبويَّة، أمَّا المرحلة الثانية فقد امتدَّت خلال القرن الثاني كله تقريبًا، واهتمَّ الإخباريون خِلالها بجمع أخبار الأحداث المختلفة والمواضيع المتنوعة كلها إلى جانب الاهتمام بالسِّيرة النبويَّة، ثم جاءت المرحلة الثالثة التي تتمثَّل في جميع الموضوعات التاريخية على أساسٍ من التسلسل الزمني [2] .
ويُمثِّل القرن الرابع الهجري فترة حاسمة من تاريخ الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، فقد شهد هذا القرن النهضة الفكريَّة التي شملت الأمصار الإسلاميَّة كلها، وكان لهذه النهضة أسبابٌ عديدة؛ منها: أنَّ موجة الفتوحات الإسلاميَّة الكبرى قد هدَأتْ، وبدأ عصر الاستِقرار السياسي، ونشطت حركة الترجمة من الثقافات القديمة نشاطًا كبيرًا، كما شَهِدَ هذا القرن ظهور الإمارات المستقلَّة، التي تنافَست في ميدان العلم والمعرفة، وعملت هذه الإمارات على اجتِذاب أئمَّة الفكر، وكان العصر الإخْشيدي غنيًّا بالفُقَهاء والعلماء والأدباء والمؤرِّخين، وقد حظيت هذه الطوائف جميعها بتقدير الأمراء الإخْشيديين [3] .
وقد مهَّد القرن الثالث الهجري الطريق لما شهده القرن الرابع - الذي يُمثِّل الإطار الزمني للدولة الإخْشيديَّة - من تطوُّرٍ في فنِّ كتابة التاريخ وتحقيق استقلاليَّته كعلمٍ من العُلوم الإسلاميَّة الذي اضطلعَتْ فيه مصر بعبءٍ كبيرٍ لبِنائه ووضع أُسُسِه وتطوير مناهجه وتوسيع مجالاته، حتى إذا أشرف القرن الرابع الهجري على الانتصاف طالعنا
(1) د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 292.
(2) شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون، ج 1، ص 92 - 100.
(3) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 528.