لا شكَّ أنَّ أهمَّ مظهرٍ من مظاهر ذلك العصر هو ما حدَث للدولة الإسلاميَّة من انقسام، فقد كانت الدولة الإسلاميَّة كلها في العصر العباسي الأوَّل - إذا استثنَيْنا الأندلس، وبعض بلاد المغرب - كتلةً واحدة، وتخضع كلَّ الخضوع للخليفة العباسي في بغداد، فهو الذي يُعيِّن ولاتها، وإليه يجمع خَراجها، وإليه يرجع الولاة في حُكمهم وقَضاياهم، ويُدعَى له على المنابر، وتُضرَب السكَّة باسمه، وغير ذلك من مظاهر السلطان [1] ، وكان هذا سببًا في أنْ تكون حاضرة الخلافة"بغداد"- هي وحدها، وبدون منافس - مركزًا للعلم والأدب في ذلك العصر.
ثم أخذت قوَّة تلك الكتلة تضعُف وتتفكَّك شيئًا فشيئًا، وكان السبب في ذلك هو ضعف الخلافة، حتى تمزَّقت المملكة الإسلاميَّة كلَّ ممزَّق، وبدَأت الأقطار الإسلاميَّة في الاستقلال عن مركز الخلافة، حتى صارَتْ هذه المملكة عبارةً عن عدَّة دول مستقلَّة، وأصبح لكلِّ دولةٍ مالها، وجندها، وإدارتها، وقضاؤها، وعُملتها، وحاكمها الخاص بها، وإنِ اعترف الحكَّام - مع ذلك الوضع - بالتبعيَّة الاسميَّة للخليفة العباسي [2] .
ففي سنة 324 هـ كانت البصرة في يد ابن رائق، وفارس في يد عليِّ بن جويه، وأصبهان والري والجبل في يد أبي الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر وربيعة في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد الإخْشيديين، وإفريقية والمغرب في أيدي الفاطميين، وخراسان وما وراء النهر في أيدي السامانيين، وطبرستان وجرجان في أيدي الديلم، والبحرين واليمامة تحت سَيْطرة القرامطة، واكتفت الخلافة العباسية بسَيْطرتها على بغداد وما حولها، وحتى بغداد اكتفَتْ فيها بالاسم فقط [3] .
(1) أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 90، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، (1977) ، انظر: د. أحمد محمد الحوفي، العشيري، ص 8، المؤ سسة المصرية العامة للتأليف والترجمة، د. ت.
(2) أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 90.
(3) ابن إياس، بدائع الزهور، ج 1، ص 176، وانظر: أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 90، د. حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 376، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، ط 9، (1979 م) .