935 م)، على حين أنَّ الوثائق المكتوبة على الكاغد يبدأ تاريخها منذ (300 هـ - 1912 م) [1] .
وكان الكاغد في القرن الثالث الهجري يُصنع ببلاد ما وراء النهر فقط، أمَّا في القرن الرابع فكانت توجد مصانع الورق بدمشق وطبريَّة بفلسطين، وكان الكاغد منتشرًا أيضًا في مصر، فكان يعمل بسمرقند، ويُحمَل إلى الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات المتوفَّى سنة (391 هـ) في كلِّ سنة [2] .
وكان انتشار الكاغد بمثابة ميلادٍ جديد في تقدُّم صِناعة الورق وانتشارها في الأمصار الإسلاميَّة واتِّساع نطاق تداوُل الكتب ونسخها، وقد انعَكَس أثَرُ هذا على حوانيت الورَّاقين [3] .
ولا شكَّ أنَّه كان لازدِهار صِناعة الورَق في القرن الرابع الهجري وشُيوع المؤلَّفات العلميَّة أثَر كبير في ترْك اللغويين طريقةَ المتكلمين والمحدِّثين المعتمدة على الإملاء، فقد اقتصَرُوا على تدريس كتابٍ يَقرَأ فيه أحد الطلبة والمدرِّس يشرح [4] . وكان لكلِّ هذا أثرٌ كبير في انتشار أسواق الوراقة والورَّاقين، وكان لهذا أثَرُه في ازدهار الحياة الفكريَّة.
وخُلاصة القول: أنَّ حوانيت الورق وأسواقه لم تكنْ فقط لبيع الكتب ومُستَلزماتها، بل كانت بمثابة مكتبة عامَّة يُتاح فيها القِراءة والاطِّلاع، كما كانت بمثابة منتدى ثقافي يلتَقِي فيه أهلُ العلوم والآداب، فيتبادَلون عُلومهم ومَعارِفهم، ويتناقَشون في شتَّى عُلوم المعرفة، وكان لهذا أكبَرُ الأثر في ازدِهار الحياة الفكريَّة في ذلك العصر.
وفوق اجتِماعات ومجالس المساجد، وندوات ومُناظرات سُوق الورَّاقين، كانت هناك مجالس أخرى للعلم والأدب لا يحضرها إلا الخاصَّة؛ مثل مجالس العظماء من ملوك وأمراء، وعلماء ووزراء، حيث كانت تجمَعُ بين العلم والأدب، والثقافات العامَّة،
(1) متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ج 2، ص 360، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 73.
(2) د. صفي علي محمد، الحياة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 74.
(3) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 74.
(4) منز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ج 1، ص 316، 317، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 74.