وكان العصر الإخْشيدي غنيًّا بمثل هذه المجالس التي - لا شكَّ - كانت سببًا من أسباب ازدهار الحركة الفكريَّة في ذلك العصر [1] .
وأشهر مَن عُنِي بهذه المجالس محمد بن طغج الإخْشيدي، فقد كانت دارُه مركزًا لتلك المجالس، فقد ترقَّى كافور الإخْشيدي عنده، وتربَّى في بلاطه، إلى أنْ جعَلَه الإخْشيد معلمًا لولدَيْه [2] .
ومن مظاهر اهتمام الإخْشيد بمثْل هذه المجالس العلميَّة والأدبيَّة كثْرة اجتماعاته مع سيبويه المصري؛ فقد قِيل لسيبويه في مجلس الإخْشيد: ما تقول في المكاسب، فقال للرجل الذي سأَلَه:"أي شيء مكسبك؟ فقال: عمل الحصر، فقال: أي حصر التي تعمل اعتبارًا أو تعمل افتخارًا؟ فقال: حصر السامان والعبادات، فقال: هذه حصر الافتخار، لا تحلُّ لك؛ لأنَّك سبب الفتنة بعمل الحصر السامان، فيستزيد الغنيُّ ويقول: أنا أجلس على حصر سامان، وأمَّا حصر الاعتبار فحصر الحلفا التي يأوي إليها الفقراء والعبدان والمساكين والسودان" [3] .
وقد سبَق أنْ ذكرنا أنَّ الإخْشيد عندما سمع عنه طلبه في مجلسه، وسأله: لِمَ تيَّه الله بني إسرائيل أربعين سنة دُون ثلاثين ودون خمسين؟ فأجاب عليه سيبويه وأحسن الجواب، واستحسن الإخْشيد هذا، فأمر الإخْشيد الوزيرَ صالح بن نافع أنْ يُجرِي على سيبويه دينارين في كلِّ شهر، فكان أبوه يقبضهما إلى أنْ مات، فظلَّ سيبويه يقبضهما إلى أنْ مات صالح بن نافع سنة 340 هـ [4] .
وقد ذكرنا أنَّ الإخْشيد اجتمَع بأبي جعفر ابن عمرو بن نافع فقال له الإخْشيد: لِمَن تتفقَّه؟ قال: الشافعي، فسأله: أيش معنى قول المزني: اختصرت هذا من قول الشافعي
(1) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 5، انظر: د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 304، أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 164، د. على حسن الخربوطلي، مصر العربية الإسلامية، ص 142، د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 75، د. أحمد شلبي، موسوعة الحضارة الإسلامية، ج 5، ص 96، مكتبة النهضة العربية بالقاهرة، ط 22، (1987) .
(2) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 1، ص 283، انظر: د. صفي على محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 75.
(3) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 27.
(4) المصدر السابق، ص 27.